رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

صحة

قصص "إدمان الأشخاص" في حياة البنات.. وطبيب نفسي يقدم العلاج: اقتلوا وقت الفراغ

كتب: ندى سمير -

03:21 ص | السبت 27 يوليو 2019

إدمان الأشخاص

"إدمان الأشخاص" حالة تنتاب بعض الفتيات، نوع من اللذة وحب الحياة، عند وجود شخص بعينه في حياتهن يغير كل شيء للأفضل، يصبحن أكثر حيوية وإيجابية، يزددن حبًا لأنفسهن وللحياة، ربما يكون حبيبا، صديقا أو أما، وفجأة يغطي الظلام كل شي.. يختفي أو تتغير معاملة هذا الشخص الذي يعد مصدر سعادتهن ويختفي وقتها كل جميل وإيجابي في الحياة، تخفت طاقاتهن بدون سابق إنذار، تختفي لمعة الفرحة في عيونهن، ويفقدن شغفهن لفترة زمنية قد تطول أو تقصر ولكنها قادرة على قلب حياتهن رأسًا على عقب.

"في وجوده كل حاجة كانت بتبقى حلوة، قدر يحببني في نفسي وفي الحياة".. هذا ما قالته "فيروز" (اسم مستعار)، عن شعورها تجاه صديق كان يعد المفضل بالنسبة لها، كانت تشعر أنها في حالة نفسية جيدة دومًا عندما يكون بجوارها، تشعر وكأن قدرتها على فعل أي شيء تتضاعف، تختفي كل المشكلات والأزمات، تمحي السعادة التي كانت تشعر بها كل قبيح في الحياة، تتحسن صحتها، ويظهر ذلك على وجهها المشرق، ثم تمضي الأيام ويتغير كل شيء.. يتحوّل هذا الشخص الى شخصٍ آخر لا تعرفه، يبتعد عنها ويؤذيها بدون أي سبب واضح وبلا سابق إنذار ولا تأخذه بها رحمة، تشعر وكأنه بات شخصا غريبا عنها، تختفي لمعة عينيها، وتخفت طاقتها، ويعلو الصخب بداخلها.. صوت يقول لها "اذهبي ولا تعودي" وصوت آخر يضجر بـ"لن تشعري بالسعادة التي شعرتي بها معه مع شخص آخر"، ورغم كل الأذى الذي كانت تتعرض له ظلت متمسكة به أملًا أن يعود كل شيء كما كان، كانت تشعر أنها لن تستطيع العيش بدونه بأي شكل من الأشكال، ولكنه اختفى ووقتها تغيَّر كل شيء.

كانت فترة صعبة على "فيروز" بكل المقاييس، لجأت للعزلة عن العالم الخارجي، أصبحت تتجنب البشر بشكل عام، مع أن أغلب من حولها حاول الاهتمام بها ومساعدتها لتخطي هذه المحنة ولكنها لم تلقِ لهم بالًا، صبّت كل تركيزها على خسارتها لهذا الشخص والتي كانت تعد بالنسبة لها في هذا الوقت خسارة فادحة.

استمرت هذه الفترة لمدة 4 أو 5 أشهر تقريبًا، خسرت خلالها "فيروز" الكثير، لم تعد تهتم بنفسها أو بمظهرها الخارجي، كما خسرت بعض الوزن وتدهورت حالتها الصحية، أهملت دراستها، لم يعد هناك شيء في الحياة قادر على إسعادها، باتت لا تبالي بأي شيء أيًا كان، ويمر يومها بدون أي جديد، "حسيت كأن كل حاجة اتهدت فوق دماغي حرفيًا".

ولكنها أدركت بعد فترة أن وضعها لن يتغير إلا إذا قررت هي تغييره بنفسها، بدأت بأهم خطوة بالنسبة لها وهي القضاء على أوقات الفراغ، أصبحت مشغولة بحب نفسها وبقضاء الوقت مع من يحبونها بالفعل، ومع مرور الوقت تخطت الوضع الذي كانت به، واستطاعت نسيان هذه الفترة بما فيها من ألم، "الموضوع فعلا كان عامل زي الإدمان، كأنك كنتي متعودة على حاجة معينة وفجأة اتحرمتي منها، طبيعي هتحسي بتعب وهتاخدي وقت على ما توصلي للتعافي التام".

أما يُسر، الفتاة العشرينية، التي روت لـ"الوطن" قصة إدمانها لأمها، التي تُوفِّيت منذ خمس سنين تقريبًا، "من ساعتها وأنا حياتي واقفة مامشيتش خطوة واحدة لقدام"، ماتت والدتها بعد تخرجها من الجامعة بأسبوع، تقول "يسر" إنها تعتقد أن أمها إذا كانت ماتت قبل تخرجها لكانت مكثت بالجامعة لبقية حياتها، نظرًا لأنها لم تصبح قادرة على النجاح بأي شيء في الحياة أيًا كان.

وأضافت أنها لم تتخطَ هذا الفقد حتى الآن وما زالت تبحث عن وجه أمها في  كل امرأة تراها، كما أنها تعيش حالة من "استخسار الفرحة في نفسها" كما قالت، لأنها ترى أن من الصعب عليها أن تفرح وأمها بعيدة عنها، حتى أنها قد تتعمد الفشل في بعض الأشياء أحيانًا حتى لا تجد لنفسها سببًا للسعادة فتشعر بالذنب تجاه والدتها المتوفاة.

وكل ما حدث لفيروز كان مشابهًا بعض الشيء لما حدث لـ"يارا"، الفتاة الثلاثينية التي عاشت حالة من هذا الإدمان مع خطيبها السابق، كانت تشعر بسعادة غير عادية في حضوره ولا تستطيع الاستمتاع بحياتها بدونه، "كنت بحس أني دبلانه كده وهو بعيد"، ظلوا معًا لمدة 8 سنين، لم تعرف أحدا غيره، كان أول شخص يطرق باب قلبها ثم لا يحسن سكنه بعد ذلك، كان شخصا مؤذيا بكل المقاييس، يقسو عليها، يسيء لها، يعاملها بجفاء، ويضربها أحيانًا، كانت تعلم أنه لا يصلح لها ولا يليق بها ولكنها لم تستطع أن تبتعد عنه، إلى أن زاد الأمر عن حده، وأصبح يحب عليها أن تختار بينه وبين نفسها، وبالفعل اختارت نفسها وفضلتها -لأول مرة- عليه.

عاشت "يارا" فترة صعبة، أصيبت بحالة اكتئاب، وتدهورت حالتها النفسية، فقدت شهيتها تجاه كل زاد، وزهدت في الحياة زهدًا كاد يفنيها، حتى انتبهت لما تفعل فوجدت أنها تؤذي نفسها بشكل مبالغ فيه، لجأت الى ملء وقت فراغها والتعرف على أناس جدد، نجحت في دراستها وفي مجال عملها كما نجحت في تخطيه ونفيه من حياتها للأبد.

التحليل النفسي

فسّر محمد دسوقي، استشاري الطب النفسي، هذه الحالة لـ"الوطن" موضحًا أنها عبارة عن حب للمازوخية وتعذيب الذات الناتج عن الهشاشة النفسية، وعدم القدرة على اتخاذ القرارات، مع الشعور الدائم بعدم الإحساس بالأمان، والاحتياج نفسي للاحتواء.

كما أضاف أن أغلب البشر مفهومهم عن الحب يعد مفهوم خاطئ، لأنه قائم على "استعذاب العذاب" وتقبله بمختلف أشكاله وألوانه، ما يجعلهم عرضه للخوض في علاقات غير صحية مع أناس مؤذيين، بالإضافة إلى عدم القدرة على البعد عنهم أو تخيل الحياة بدونهم.

كما نوَّه "دسوقي" بأن السيدات في المطلق عرضة للإصابة بهذه الحالة أكثر من الرجال، نظرًا لعاطفتهن التي قد تغلب أحيانًا على العقل والتفكير المنطقي.

وأوضح أن إدمان الأشخاص في المطلق حتى وإن لم يكونوا مؤذيين يعد ظاهرة سلبية، نظرًا لأن أي شيء إذا زاد عن حده سيعطي نتيجة عكسية مخيبة للآمال.

استشاري الطب النفسي يقدِّم بعض الحلول لمواجهة هذه الحالة

أوّل هذه الحلول هو العلاج المعرفي السلوكي عن طريق تعديل السلوك والنواقص الموجودة بشخصية الشخص الواقع عليها الضرر.

تشجيعها على الاعتماد على النفس.

التركيز على الجوانب الإيجابية في الشخصية.

زيادة الثقة والدعم النفسي.

تطوير مهارات الحوار والنقاش العقلاني، الذي يعوّد الفرد على ملاحظة المقدمات للوصول لنتيجة مقنعة.

زيادة النضج النفسي.

زيادة النشاط الاجتماعي.

قتل أوقات الفراغ.

الإشباع العاطفي.

وأوضح أن هذه السبل تؤدي الى وقوف المتضررة على أرضٍ صلبة، لا تجعلها في مهب الريح تؤثر بها كلمات عابرة ويتحكم بها أشخاص وذكريات مؤذيين.