رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

ماما

كتب: سمر صالح -

08:23 م | الأربعاء 08 يناير 2020

ناهد أثناء العمل

جلبابها مُلطخ ببقع الأسمنت، يتلون بعفارة الرمال والطوب الأحمر، يحيط بها من كل جانب براميل و قِصَاع وشكائر أسمنت وأكوام من الرمال، تقف بثبات على ارتفاعات كبيرة فوق ألواح خشبية لساعات طويلة، دون رهبة وسط عشرات الرجال والشباب، اختارت بنفسها مهنة شاقة تترك أثارها على جسد كل من يعمل بها، لا تناسب طبيعة النساء، دفعها إليها ضيق ذات اليد، فباتت معروفة وسط عمال مواقع البناء في مدينتها، وثنايا يديها مرآة تعكس للناظر إليها- دون الحاجة إلى سؤالها- طبيعة مهنتها التي قضت بها 25 عاما من عمرها.

في عامها الـ15 بدأت السيدة ناهد محمد، صاحبة الأربعين عامًا، رحلتها مع العمل في مواقع البناء في مركز تلا بمحافظة المنوفية، بعد زواجها، تخلت عن أنوثتها قليلًا، وارتدت ملابس المهنة التي أدركت جيدًا حقيقة صعوبتها منذ اللحظة الأولى التي حملت فيها شيكارة أسمنت ثقيلةـ ونقلت فيها قوالب الطوب من مكان لآخر طوب، وحسب روايتها، لم يشغل بالها نظرات الناس بل أجبرت الجميع على احترامها وصنعت اسمها بمهارتها في سوق المهنة.

 

ناهد: اخترت المهنة لأن فلوسها كتير.. وأنا محتاجة فلوس

مع دقات الثامنة من صباح كل يوم تخرج ناهد الشهيرة وسط العمال بـ"أم إسراء" بمهنتها، من بيتها صور موقع البناء الذي تعمل به، وحسب روايتها لـ"الوطن" يومًا بعد يوم تطبعت بطبيعة المهنة وازدادت مهامها في مواقع البناء على الرغم من عدم وراثتها المهنة من والدها أو أحد أجدادها،"محدش في عيلتنا اشتغل كده انا اضطريت ليها لإن فلوسها كتير وأنا محتاجة أساعد جوزي وأصرف على عيالي الأربعة".

رغم مهارتها لم تنج السيدة الأربعينية من إصابات العمل في تلك المهنة الصعبة، حيث تعرض لكسر في الظهر مرتين من قبل إثر سقوطها من فوق"السقالة" وفي كل مرة كانت تنقذها العناية الإلهية ويداوي أوجاعها والد زوجها، نظرًا لإقامة زوجها في مدينة آخرى لظروف عمله، وفي كل مرة كانت تتلقى تحذيرات من الأطباء من رفع أي حمولة ثقيلة.

قبل سنوات قليلة، اختلفت مهام"الأسطى ناهد" قليلًا في المهنة الشاقة، فتركت العمل في مواقع البناء وحمل شيكارات الأسمنت وقوالب الطوب واتجهت إلى العمل في المحارة بعد تكرار إصابتها وعدم استطاعتها رفع الحمولات الثقيلة.

 

"أنا بقف وسط الرجالة بـ100 راجل، زيي زيهم ولا عمر حد بصلي بصة وحشة والكل بيحترمني"، بصوت واثق نطقت ناهد بتلك الكلمات التي اختزلت بها اعتزازها بنفسها وبما تعمل دون خشية من نظرة المجتمع هدفها الأول هو تربية أبنائها الأربعة تربية حسنة.

أحلام ناهد بسيطة لاتشبه مهنتها الصعبة، تتلخص في زيارة بيت الله الحرام وتزويج بناتها للاطمئنان عليهن، لم تشكو- رغم الآلام المبرحة التي تداهمها كل ليلة- بل تفخر بما فعلت تجدد العزم صباح كل يوم على أن تكمل الطريق من أجل كسب لقمة العيش بالحلال.