امرأة قوية

كتب: هبة وهدان -

06:13 م | الخميس 03 أكتوبر 2019

مجسم الشهيد محمود طلعت

دفعهما مشاعر الشوق والحنين لشخص عزيز فقداه، إلى  الاستعانة بمجسم خشبي وكأن الحياة دبت فيه من جديد، ففي كل يوم منذ بدء عامهما الأول في الدراسة والذي لم يمر عليه سوى أسبوع فقط، وقفت "مليكة" و"تاليا" 5 و3 سنوات، لأداء السلام الوطني لصورة والدهما الشهيد المقدم محمود طلعت الذي غادر الحياة في أبريل من العام الماضي.

المجسم الذي يحمل آخر هيئة رأت فيها الزوجة والأبناء الشهيد، لجأت إليه السيدة بسمة عبدالنبي بعد أن تحدثت معها ابنتها الكبرى "مليكة"، أنها كانت تتمنى لو أن والدها معها وهي تخطو خطواتها الأولى للمدرسة، وبالفعل استيقظت ابنة الـ5 أعوام لتجد مجسم كاد أن ينطق لوالدها ينتظرها وهي تحمل حقيبة المدرسة وتغادر المنزل.

الحنين والوحشة التي تعانيهم السيدة المكلومة بعد استشهاد زوجها وحبيبها كما كانت وما زالت تناديه، جعلها هي الأخرى بين الحين والأخر تحضن المجسم وكأنه من لحم ودم وتبكيه بالساعات وتسرد لها كيف كان يومها وهي وبناتهن.

رغم أن "بسمة" وابنتيها تقبن الأمر الواقع وأن الشهيد لم يعد لهن، إلا أن "مليكة" و"تاليا" يقفا بالساعات في شرفة المنزل يناجيا ربهما في السماء أن يعيده إليهما، بعد أن علما من والدتهما أن روحه ذهبت إلى السماء.

حاجة الطفلتين لوالدهما، جعلهما يتبادلا الأدوار خلف مجسم الشهيد فكلا منهما تجيد تقليد صوت الأب، فتقف "مليكة" تتحدث على أنها والدها وتحكي له "تاليا" تفاصيل اليوم وأنها خير مثال لابنة الشهيد، وأن سلوكها سيجعل كل من يراها يترحم على والدها: "البنات بيقلولي كل يوم يا مامي شيليني عشان أبوس بابي"، بنبرة حزينة قالتها زوجة الشهيد لـ "الوطن".

قصة الحب التي جمعت "بسمة" بالشهيد محمود طلعت جعلته يبتعد عن مسقط رأسه في القاهرة، ويترك أسرته ليذهب ويعيش معها في مدينة الإسكندرية، كي لا تترك أسرتها حتى جاء الموت وفرقهما، بعد أن دفن في مقابر الأسرة بالقاهرة.

لم تنس القوات المسلحة شهيدها وأبنائه لحظة، ففي اليوم الأول لـ "مليكة" و"تاليا" ذهب قائد الأركان بالمنطقة الشمالية  وكذلك عدد من القيادات بالجيش الثالث الميداني إلى مدرسة الطفلتين لاستقبالهما في أول يوم دراسي تقديًرا لتضحية الشهيد من أجل وطنة، حسب "بسمة".

الوداع الأخير بين الزوجين لم تنساه السيدة الثلاثينية، حيث أنها رأت زوجها قبل استشهاده بـ 7 أيام وأنها لم تعتاد منه أن ينزل لزيارتهن إجازتين متقاربتين "قالوا لي وحشتوني وجاي أقعد معاكم" .

وتستكمل: "حبيبي اتفاجئ وهو معانا في آخر إجازة إن الكتيبة بتاعته استشهد فيها 14 واحد، وفي اليوم ده مكنش بينام وكل شوية يدخل على البنات وهما نايمين يحضنهم".

تفاصيل المكالمة الأخيرة لم تنساها زوجة الشهيد، فهاتفها بعد سفره مباشرًا "قالي لو ينفع أبكي كنت بكيت هو كان حاسس إن الاستشهاد قرب وطلب مني أدعي له"، فكانت تلك المكالمة بمثابة ناقوس القلق الذي سيطر على "بسمة" فظلت تدعى له حتى صلاة الفجر لتهاتفه بعدها في تمام الساعة 8، فيطمأنها أنه يستعد لمداهمة كبيرة وعليه أن يغلق الهاتف ليجهز، وبعد أن مر أقل من ساعة وتحديدًا في الـ 9 والثلث صباحًا، هاتفها قائلا: "قالي عاوز أتكلم معاكي شوية وقفل واستشهد 10 بالضبط".

لم تتلق "بسمة" خبر استشهاد زوجها المقدم من أسرته أو حتى أسرتها بل أن الأمر كان مخالف معها، حيث استقبلتها "مليكة" و"تاليا" على باب الشقة "بابي استشهد يا مامي" الكلمة التي لم ولن تنساها ما دامت تتنفس، حسب تعبيرها.

لا زالت السيدة الثلاثينية تتذكر آخر مرة رأت فيها الشهيد وهو في نعشه قادما من سيناء، وجدت إصبعه مرفوعا للشهادة وابتسامته تملأ وجهه.

ورغم أنه لم يدفن إلا بعد مرور يومين على استشهاده، إلا أن جسده ظل محتفظ بدفئه وكأنه أراد أن يكون الوداع كما عاهدته عليه: "اللي عرفته من زملائه إنه قبل الاستشهاد بثواني شافوا محمود واقف على جبل الحلال وباصص في السما ومبتسم، هو كان فرحان أنه يوم ما هيسقط هيسقط على أرض سيناء".

واستكملت: "محمود وحشنا أنا والبنات، بس هو مينفعلوش غير الشهادة، لايق عليه يبقى شهيد يا رب يلحقني بيه في الجنة ونعيمها".

أخبار قد تعجبك