امرأة قوية
نحو 500 سيدة وفتاة شاركن في أول مظاهرة نسائية في تاريخ مصر الحديث

نحو 500 سيدة وفتاة، قررت أن تخرجن إلى الشارع، مؤمنات بدورهن في بناء الوطن ودعم قضاياه، تطالبن بالاستقلال، وتهتفن بحياة سعد زغلول، ويطوقهن جنود الاحتلال البريطاني ببنادقهم الموجهة لصدورهن، لتقدم الحركة النسائية التي اندلعت شراراتها 20 مارس 1919 أول شهيدتين هما حميدة خليل، وشفيقة محمد.

"وبذلك نزلت المرأة إلي الشارع تؤازر الرجل وتشاركه في الثورة التي امتدت إلي كل مكان، ونالت المرأة فیها شرف الاستشهاد، وشیع الرجال والنساء جنازات الشهداء والشهیدات، وفي الریف عاونت المرأة الرجل في تقطیع أسلاك التلیفون وخطوط السكك الحدیدیة، وفي الهجمات التي نظمت علي حجز المعتقلین في السجون"، هكذا وصفت درية شفيق مشاركة المرأة في ثورة 1919.

هدى شعراوي التي قادت أول مظاهرة نسائية في الثورة، احتجاجا على اعتقال "سعد" وزملائه ونفيهم إلى مالطا، تقول في مذكراتها: "بدأت عملیة تنظیم أول مظاهرة نسائیة مصریة في التاریخ الحدیث في بیتي في صباح السادس عشر من مارس 1919 للتعبیر عن الشعور الدفین والاحتجاج على تصرفات الإنجلیز إزاء ما أصابوا به المصریین من قتل وتنكیل".

اشترك في المظاهرة التاریخیة نحو 530 سیدة وفتاة ینتمي معظمهن إلى الطبقة العلیا وعلى رأسهن زوجات الزعماء الذین رفعوا لواء المطالب الوطنیة وتم اعتقالهن، وكان من بین المتظاهرات من جئن من الأقالیم، وقد تم الإعداد لهذه المظاهرة ببیتي.

في المیعاد المحدد، نظمت المتظاهرات أنفسهن وسرن في صفین منتظمین یحملن الأعلام الصغیرة وطفن الشوارع الرئیسیة هاتفات بحیاة الحریة والاستقلال وسقوط الحمایة، فقوبلن بالإعجاب والحماس والتصفیق من الشعب الذي ردد وراءهن الهتافات في الوقت الذي انطلقت فیه زغارید النساء من الشرفات، كما وصفت هدى شعراوي دورهن في الثورة.

وتقول روز اليوسف في مذكراتها: "لقد اشتركت الفنانات المصریات في المظاهرة النسائیة أسوة بباقي الطوائف، فتري روز الیوسف وماري إبراهیم تحملان الأعلام وتتقدمان بها صفوف المتظاهرات".

في العاشرة صباحا، اجتمعن ممتطيات السيارات والعربات، وسرن فيها إلى أن وصلن إلى الحديقة التي تقع قرب نهر النيل بموضع (قصر العيني) في جاردن سيتي، ولما جاء الموعد المقرر سرن على الأقدام، وفي مقدمتهن ستة أعلام باللون الأسود، وكتب على أحدها باللغة العربية وبالخط الجلي بالقماش الأبيض: "إننا نحتج على سفك دماء الأبرياء العزل من السلاح"، وكتب على العلم الثاني: "إننا نحتج على اعتقال الأبرياء"، ثم كتب على العلم الثالث: "نطلب الاستقلال"، كما روى عبدالوهاب النجار في مذكراته عن ثورة 1919 مشهد المظاهرات النسائية.

ويضيف "النجار": "رأيت على كل علم من الثلاثة أعلام الباقية ترجمة ما على أحد الأعلام الأولى باللغة الفرنسية، وكان كل علم تحمله سيدتان، وأعددن أوراق احتجاج لتقدم واحدة منها إلى كل قنصل من قناصل الدول إذا مررن بداره، وكان سير المتظاهرات ومركباتهن خلفهن في شارع قصر العيني ثم في شارع ناظر الجيش بالإنشاء، وواصلن سيرهن بنظام تام حتى وصلن إلى شارع سعد زغلول باشا، ووقفن أمام بيته هاتفات والناس من حولهن".

أقبلت قوة كبيرة من البوليس المصري مشاة وركبانا، وتلتها قوة من الجند الإنجليزي، وصلت السيارات وهي مسلحة بالبنادق ومعها سيارات وضعت فيها المدافع الرشاشة، وفي الحال ضرب على السيدات المتظاهرات نطاق من جند البوليس المصرى، وخلفه نطاق آخر من الجند الإنجليزى، وبذلك حوصرت السيدات حصارا تاما محكما، ومنعن من المسير إلى منازلهن أو السير فيما كن بسبيله، ومن الدخول فى المنازل المجاورة، وظللن واقفات فى الشمس من الساعة العاشرة والنصف صباحا إلى الساعة الواحدة ظهرا، كما وصف "النجار" حصار القوات البريطانية المظاهرة النسائية لأكثر من ساعتين.

خرجت المتظاهرات في حشمة ووقار، وعددهن يربو على الثلاثمائة من كرام العائلات، وأعددن احتجاجاً مكتوباً ليقدمنه إلى معتمدي الدول، طالبن فيه بإبلاغ احتجاجهن على الأعمال الوحشية، التي قوبلت بها الأمة المصرية، ولكن الجنود الإنجليز لم يمكِّنوا موكبهن من العبور، فحين وصلت المتظاهرات إلى شارع سعد زغلول قاصدات بيت الأمة ضربوا نطاقا حولهن ومنعوهن من السير، وسددوا حرابهم إلى صدورهن، وبقين هكذا مدة ساعتين تحت وهج الشمس الحارقة، هكذا حكى عبدالرحمن الرافعي مشهد المظاهرات النسائية في ثورة 1919.

تقدمت هدى شعراوي وهى تحمل العلم المصري إلى جندي، وقالت له بالإنجليزية (نحن لا نهاب الموت، أطلق بندقيتك إلى صدري لتجعلي مس كافيل أخرى)، فخجل الجندي، وتنحى للسيدات عن الطريق وجعلهن يعبرن، هكذا وصف "الرافعي" شجاعة هدى شعراوي في وجه الاحتلال.

وأرسلن احتجاجهن إلى قناصل الدول، وقِدم القنصل الأمريكى وشاهد الحصار، فذهب إلى فندق "سافوري"، حيث القيادة البريطانية، واحتج على هذه الفظاعة، فصدر الأمر على عجل برفع الحصار، وتمكنت السيدات من الخروج من النطاق المضروب حولهن، فركبن السيارات والعربات التي كانت تنتظرهن، وانصرفن إلى بيوتهن.

أخبار قد تعجبك