رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

أخبار من الوطن نيوز

ثورة البدينات ضد التنمر: نحن لسنا عبئا

كتب: إنجي الطوخي -

12:42 ص | الإثنين 28 أكتوبر 2019

السيدات البدينات: نحن لسنا عبئا على أحد

بصحبة ابنها وزوجها، كانت "إنجي" تشاهد أحد البرامج التليفزيونية، عندما فوجئت بأن المذيعة تهاجم السيدات البدينات. لم تنبس "إنجى" بكلمة، بل سحبت نفسها بهدوء إلى غرفتها، وبدأت تنظر إلى نفسها في المرآة، وتتأمل بعينيها تلك النتوءات في جسدها، بينما شرد فكرها بعيدا.

تألمت "إنجي" كثيرا بسبب تلك الكلمات لم تنكر ذلك وهي تفكر، فبعد زيادة وزنها أكثر من 15 كيلوجراما عن المعتاد، عقب تجربة الحمل والولادة، حاولت أكثر من مرة البدء فى حمية، لإنقاص وزنها، وفي كل مرة كانت تفشل إما بسبب ظروف الانتقال من بيت لآخر، أو مرض ابنها لفترة طويلة، أو محاولة تحقيق التوازن بين مراعاة عملها ورعاية طفلها، ومسؤولياتها المنزلية.

- "بتعملى إيه كنت متأكد أنك هتكونى أدام المراية" قالها زوج إنجى وهو ينظر لها نظرة حانية، كان يدرك مدى تأثرها بكلمات مذيعة البرنامج، على الرغم من محاولاتها إظهار العكس.

- ولا حاجة

- أنت عارفة إني بحبك في كل حالاتك، وده كان اتفاقنا في أول الجواز، نقبل نفسنا، ونقبل بعض زى ما أحنا؟

- أنا فاهمة، وأنا كمان بحب نفسى وشكلي ومتقبلاه، وعمرى ما تغيرت ولا هاتغير

قالتها إنجى بنوع من التصميم، بينما يظهر بريق من التحدي في عينيها، بعد أن قررت عدم الصمت إزاء ما سمعته، ونشر رد -سواء منشورات أو فيديوهات- على مواقع التواصل الاجتماعي، يوضح حجم الضغط الذى تواجهه المرأة المصرية والعربية بشكل عام في حياتها، المسئوليات الضخمة التي تحملها، وأن زيادة الوزن لم تكن أبدا عائقا لها عن القيام بدورها.

تصرف إنجي أتى كرد فعل، على حملات تنمر انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي واستهدفت السيدات البدينات، سواء بالتجريح أو السخرية. كان بدايتها مع  نشر صورة لإحدى الممثلات الأتراك هى "فهرية إنجين" والتي كانت تصنف ضمن أجمل 30 امرأة على مستوى العالم، ومثار إعجاب الكثيرين، بعد أن زاد وزنها بشكل حاد مع ولادة ابنها "كاران"، حيث انطلقت فوهات السخرية والنقد، ضد النساء بشكل عام والبدناء منهن بشكل خاص، تحت مسميات "دى داسها القطر"، "راحت عليها يا عيني" وغيرها، حتى لو كان الأمر راجع للتغييرات الفسيولوجية عقب تجربة الحمل والولادة.

و لم تمر أيام على تلك الحملة، حتى ظهرت برامج تليفزيونية تتحدث عن ضرورة إنقاص المرأة المصرية لوزنها، لأنها صارت عبئا على من حولها. ولم تكن إنجي الوحيدة فيما فعلته، فقد تضامنت معها الكثيرات سواء من المشاهير أو الأشخاص العادية ليس قلبا فقط بل فعلا، فيما يشبه الثورة ولسان حالهم، كلمات "إنجى"، "إحنا مش عبء، ولا هنكون، أنا ومئات غيرى شايلين بيوتنا وبيوت أهالينا وولادنا على دماغنا، رغم التعب والبهدلة ومحدش اتكلم".

فـ"وفاء" تعمل كموظفة في أحد الشركات الخاصة، هي الأخرى، خلال تصفحها مواقع التواصل الاجتماعى على هاتفها المحمول، شاهدت تلك التعليقات الجارحة والساخرة من السيدات البدينات. نظرت بشفقة إلى والدتها التي تجلس أمامها على "شيزلونج" كامل بسبب وزنها الذي تخطى الـ130 كيلو بينما تجهز طعام الغذاء، لتسأل نفسها سؤال واحد "يا الله من أين أتوا بهذه القسوة وهل يعلمون شيئا عن قصة كفاح والدتها؟" ثم قررت المشاركة في الثورة على تلك المفاهيم البالية.

 فوالدة "وفاء" سيدة بسيطة تدعى "فوزية"، لم تقصر يوما في رعاية أسرتها بالرغم من زيادة وزنها، وحتى بعد أن تزوج الأبناء، وملأوا بيتها بالأحفاد هي التي كانت تتولى رعايتهم: "مندهشة، ومصدومة، فأمي بعد تجاوزها الـ60 عاما، زاد وزنها وتخطى الـ130 كيلو، ولكن ذلك لم يمنعها من أن تتولى رعاية ابنتي وحفيدتها سواء من طعام وشراب وتعليم، خلال أوقات عملي النهارية، رافضة أن ألحقها بأي حضانة، ولم تشكو يوما، على العكس كانت تحزن كثيرا عندما أقول أنني افكر في البحث عن حضانة لابنتي، فأين ذلك العبء الذي تمثله السيدات البدينات؟".

وبينما اختارت سيدات مقاومة حملات التنمر تلك بالكلمات والاحتجاجات، كانت وسيلة "بانسيه أحمد" في المقاومة شكل مختلف، وهي التغلب على زيادة وزنها، من خلال الرياضة والطعام الصحي. ومع ظهور الحملات الأخيرة، قررت مشاركة صورها قبل وبعد البدء في حميتها الغذائية، والتي نجحت بواسطتها في خسارة 23 كيلو، ليصبح وزنها 73 كيلو، بعد أن وصلت إلى 95 كيلو، "كان حلمي أن أصبح نحيفة ليس لأحظى بشكل جمالي كما تتمنى أي فتاة، بل أيضا لتحقيق حلمي في أن أكون مدربة رياضية وأشارك في بطولات رياضية".

ترفع "بانسيه" خصلات شعرها البنى وراء عنقها، ثم تمسح نظارتها برفق، لكى تستكمل تمارين "الكارديو" التي تمارسها  بشكل يومي، رغم صعوبة الأمر من أجل ضمان عدم زيادة وزنها مرة أخرى، "عندما تتعرض لسخرية ممن حولك، بسبب حلمك بان تصبح مدرب رياضي، لن تكون تمارين الكارديو اليومية قاسية عليك، فكلماتهم هي الأقسى لأنها في الظاهر قد تبدو كمزاح، ولكنها في الحقيقة تقتل بالبطيء".

المجتمع ضد ثقافة البدانة خصوصا فيما يتعلق بالمرأة رغم أن كل ظروفه تشجع على البدانة، بحسب الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، مؤكدا أن هناك عوامل كثيرة تشجع على البدانة بشكل غير مباشر منها غياب الثقافة الغذائية السليمة، والظروف الاقتصادية الضاغطة التى تحول دون الذهاب للنادي أو الصالات الرياضية سواء بسبب الوقت أو المال أو حتى العادات، قائلا، "الناس أيضا لا تعرف أن بدانة المرأة ليس سببها الطعام فقط، بل أحيانا يكون الأمر هرمونات لا دخل لها فيها، والحل ليس الانتقاد بل تقديم حلول بسيطة نساعد المرأة على الحفاظ على وزنها من أجل الصحة العامة وليس الشكل الخارجى فقط".

قبول المرأة لنفسها وجسدها مهما كان وزنه هو الوسيلة الأولى في تعزيز ثقتها في نفسها، ومواجهة أي تنمر، بحسب فيفي عبدالشهيد، مدربة مدير ورش العلاج بواسطة الحكي في أحد الجمعيات التنموية، فالاختلاف سمة ربانية وضعها الخالق، لكي تصح المجتمعات وتتطور وليس العكس أن نصبح كلنا متشابهين: "للأسف تواجه المرأة ضغوطا هائلة، سواء في الصورة النمطية بأن الجمال له سمات معينة يجب الالتزام بها، سواء في وزن مثالي أو ملامح شكلية معينة، وبعض النساء هنا تلجأ إلى إنقاص وزنها فقط إرضاء للمجتمع، وليس رغبة داخلية، مما يجعلها غير راضية عن نفسها، وأحيانا تعود مرة أخرى إلى وزنها الزائد، وبعض النسوة تعندن أكثر وتصرن على الوزن الزائد نكاية في المجتمع ورغباته في فرض سلطته حتى على شكلها".