رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

"مهن سيئة السمعة".. ممرضات وعاملات مساج وسكرتيرات: المجتمع ذبحنا

كتب: آية أشرف - هبة وهدان -

11:51 م | الثلاثاء 31 ديسمبر 2019

ممرضات يسردن معاناتهن مع المجتمع

من الأدب إلى السينما، من الأحياء الشعبية إلى أرقى مناطق مصر، استسهل الناس تصنيف هؤلاء الفتيات بأنهن يعملن في مهن "سيئة السمعة" بناء على قوالب قدمها الأدب والدراما للمجتمع، فتلقاها البعض قرآنا لا يُناقش ولا تخرج عنه استثناءات، وباتت كل فتاة مكافحة في إحدى هذه المهن تتحمل تنمر الناس فوق متاعب المهنة، وتتحمل شائعات مجانية بسوء السلوك دون دليل، فقط لأنها تعمل في إحدى المهن التي قيل عنها "كذا"..

"هن" يفتح ملف "صاحبات المهن الموصومة"، ليناقش مشكلاتهن وأسبابها، ويضع خطا تحت سلوك غير حضاري لا يجب أن يكون موجودا في مجتمع يتطلع إلى نهضة شاملة، وهو "التعميم الأعمى"، ويكشف آثار "التصنيف المجاني" القائم على المظاهر ليفرق بين أمناء المجتمع ويمنح ألقابا مجانية "هذا شريف وهذا غير شريف" دون أدنى تردد أو تفكير في ما قد تهدمه الكلمة إنسانية كل فتاة ستصبح في المستقبل زوجة وأمًّا صالحة.

ملائكة "آخر الليل".. ممرضات يسردن معانتهن مع نظرة المجتمع لـ"النبطشية" 

بملابسها وردية اللون وملامحها الحسنة مع قوامها الممشوق وجاذبيتها الأنثوية، تخطو بين حُجرات المستشفى متكئة على جمالها، الذي ساعدها في وقوع أحد رجال الأعمال الأغنياء في حُبها، حتى وإن كان رجلًا كبير بالسن، وسبق له الزواج أكثر من مرة، كما إنها ظهرت وهي "تسرق" الأدوية للبيع فيما بعد، مشاهد جسدتها الفنانة غادة عبد الرازق، خلال مسلسلها "زُهرة وأزواجها الخمسة" وهي تُجسد دور المُمرضة، ملاك الرحمة كما عرفها البعض، لتضع في أذهان المُشاهد إن تلك الصورة هي الصورة النمطية عن بعض المُمرضات. 

ليست وحدها من استخدمت مهنة التمريض لتلائم دراميا شخصية البطلة سيئة السمعة، فسبقتها الفنانة روبي، التب لعبت دور "ناهد" في الحرامي والعبيط، والتي كانت تعمل "ممرضة" وتساعد في سرقة الأعضاء، حتى بات الفيلم حينها محل انتقادًا واسعًا. 

"هي دي بوثي.. هي دي ملاك الرحمة" صدمة الفنان أحمد أدم، في إحدى مشاهد "صباحو كذب" ذلك الشاب لكفيف الذي تعرف على راقصة، أدت دورها أميرة فتحي، ادعت حينها أنها تعمل ممرضة لتبرر عملها حتى ساعات متأخرة من الليل. كل هذه الأعمال وغيرها رشخت صورة سيئة تعامل معها المجتمع كدستور غير قابل للتعديل.. "هن" التقت صاحبات الشأن ليتحدثن عن معاناتهن مع تلك الصورة التي وجدن أنفسهن فيها، حتى كادت تقضي على أحلامهن وحياتهن الخاصة. 

"حنان": سبنا البلد بسبب إني ممرضة وأهلي "ماستحملوش كلام الناس" 

تلك الصورة التي انتشرت كانت واحدة من أسباب معاناة "حنان. م" 40 عاما، التي ظلت تحارب أهلها أكثر من عشرين عاما، بعدما صارحتهم برغبتها في ترك الريف، ودراسة التمريض بالعاصمة.

"في الفلاحين عندنا الممرضة دي مهنة سيئة السمعة، وده كان سبب أن أمي وأبويا يسحبوا ورقي من المدرسة اللي قدمت فيها بسبب كلام الناس". تابعت السيدة الأربعينية، التي أصبحت مشرفة عامة حاليا على فريق من الممرضات: "فضلت كتير أحارب الفكرة دي، ورجعت قدمت ورقي تاني، لكن كلام الناس في البلد وقتها ماكنتش بسلم منه، لا أنا ولا أهلي، لحد ما قررنا نيجي القاهرة نستقر".

تضيف خلال حديثها لـ"هن": "فاهمين إن الممرضة طالما بتبات برة، ولا بتتأخر في المستشفى، إنها على علاقة بالدكتور، وفي اللي كان بيقول بيلبسوا قصير ويباتوا في المستشفيات مع الدكاترة". واستطردت: "أكتر الحاجات اللي كانت بتتقال علينا وعلى مهنتنا في البلد: تلاقيها بتسكت أهلها بالفلوس اللي بتاخدها وتعمل اللي هي عاوزاه لما تبيت برة".

واختتمت السيدة الأربعينية: "الوضع دلوقتي اختلف شوية عن زمان، ومستشفيات التمريض أغلبها نظام وانضباط، والناس بقى عندها وعي، ومش مسلمة دماغها للتلفزيون، وبقي في أهالي بتفضلها عن الثانوية العامة أو الكليات التانية وبتبص لمستقبلها".

خبطتين في "الكاب الأبيض".. "سلوى": التمريض أقصر طريق للعنوسة

يبدو أن وصف "ملاك الرحمة" عفا عليه الزمن، فبالرغم من أن "سلوى. ع" الممرضة بإحدى المستشفيات الخاصة، تداوي جراح مرضاها وتسهر إلى جوارهم، الا أنها لم تسلم من توصيف المجتمع لها كصاحبة مهنة سيئة السمعة، كونها تعود في ساعات متأخرة من الليل، الأمر الذي دفع البعض من جيرانها يشير إليها بالبنان "بتشتغل شغلانة بطالة".

"سلوى" التي اختارت مهنة التمريض عن قناعة باتت تكفر بها بعد 7 سنوات من العمل، إذ إنها تنتمي لمنطقة شعبية لا تعرف المعنى السامي للمهنة، وينظرن إليها على أنها سهلة المنال، حسب الشابة الثلاثينية.

رغم أن الفتاة تجاوز عمرها الـ 36 عاما، إلا أنها لم تستطع تكوين أسرة وأن هذا غريب للغاية على بنات المنطقة الشعبية التي تنتمي إليها، وأنها قبل شهرين فقط قُرأت فتحتها على رجل يكبرها بفارق سن كبير: " لما اعترضت على سنه أمي قالتلي اللي مبيشوفش من الغربال يبقي أعمى، وكل اللي اتقدمولك عاوزينك تسيبي الشغل". تستكمل: "أنا وغيري بنشتغل مهن محترمة، بس المجتمع بيشوهها، ولذلك المهن دي أقصر طريق للعنوسة"، بحزن قالتها الشابة الثلاثينية.

محاولات "سلوى" لتغير نظرة أهل منطقتها لم تأتي ثمارها، إلا أن الطامة الكبرى التي واجهتها أن بعض أهالي المرضى الذين تقضي ساعات الليل لرعايتهم أيضا يتعاملون معها على أنها "سلعة رخيصة" حسب وصفها، إذ أن بعضهم يتحرش بها، وإن رفضت عرضه يتطاول عليها.

أزمة الممرضة لم تكن في النظرة المأخوذة عن المهنة التي تمتهنها، بل إن البعض يستغل مهنتها في تلويث سمعتها، وأنها تسمع قصصا عن نفسها لا تعرف عنها شيئا: "احظروا مهنة التمريض لو مش عاجبة الناس، لكن إحنا محتاجين توعية والله بأهمية المهن اللي زي دي، حرام، إحنا ملقيناش شغل تاني وقلنا لأ.. إحنا مش بنات ليل".

 

ممنوع اللمس".. "نجلاء" لن تتزوج بسبب "التدليك": حتى الزباين بيعاملوني وحش

لم يكن ملهى ليليا أو بيت لممارسة الرذيلة وإنما مركز صحي و"إسبا" للرجال، لكنه كان كفيلا أن يُنهي علاقتين وخطبة لـ"نجلاء. س" الشهيرة بـ "نوجا"، فور علم الطرف الأخر في العلاقة بطبيعة العمل.

فلم تدرك يومًا أن العمل الذى دفعتها إليه الظروف ينظر له المجتمع نظرة مهينة، وصنفها في تصنيف اجتماعي لا يستند سوى لنظرة اجتماعية مغلوطة مستمدة من شائعات وبعض الأفلام والقصص.

رفض الطرف الآخر في العلاقة العاطفية بمهنة "نجلاء" لم يكن وحده، بل كذلك أسرتها، فكل ما تعرفه أسرتها أنها تعمل في أحد الشركات في مدينة 6 أكتوبر، حيث يوجد "الإسبا"، وأنه في حال معرفتهم الحقيقة "ها يقطعوا راسي عن جسمي ويرموها للكلاب"، إلا أنها مقابل الاحتفاظ بالمهنة من منطلق "عصفور في اليد" كان العمل بالنسبة إليها أهم من أي اعتبارات اخرى.

4 سنوات ومازالت الشابة العشرينية تمارس مهنتها، وهي تدليك أجساد زبائنها، ولا ترى عيبا في ذلك، وأن الظروف هي من أجبرتها على ذلك في بداية الأمر: "أنا بعد 4 سنين مش ندمانة، بس معنديش الجرأة أقول لوالدي ووالدتي وأخويا، وخلاص مبقاش عندي أمل أتجوز".

حتى ولو كان المجتمع يتصرف من منطلق "سمعت" ويصدق شائعات ويتخيل أن الدراما تحدث في الواقع بحذافيرها، فإن المترددون على الإسبا يفترض أن يكونوا أكثر وعيا، فلو كان للأمر بعد مشين لكان الأولى بهم الابتعاد عنه.. "حتى الزبائن في الأول بشوف في عيونهم بصة قرف، بس أنا والله محترمة، العيب في الأدمغة".

لم تفكر "نجلاء" بالبحث عن مهنة بديلة، فالمقابل المادي لن تستطيع تعويضه بشهادتها التي وصفتها بـ"المتواضعة"، وأن المتاح هو مهن لا تختلف كثيرًا في سمعتها عن مهنتها كعاملة مساج: "بالدبلوم يا هشتغل خدامة في البيوت ياسكرتيرة، وكله محصل بعضه".

انتهاء العمل في "الإسبا" في ساعات متأخرة، وتحديدًا في المناسبات والأعياد، هو الأزمة التي تقابل الفتاة العشرينية، فهي لا تجد مبررا لأسرتها كونها تعمل في شركة خاصة من المفترض أن العمل ينتهي بها مع دقات التاسعة مساءً.

معاناة "نجلاء" مع أسرتها أو جيرانها في كفة، ومعاناتها في أن تجد رجلا يتقبل مهنتها في كفة أخرى: "أنا مقدرش أقعد مع ناس وأعرفهم بنفسي، أقل حاجة هيبصولي من فوق لتحت، ومرة واحد قال لي أمي لو عرفت طبيعة شغلك هاتتبرأ مني". وتستكمل: "مهنتي رجالة وستات بيبصوا لها بقرف، والحل نشتغلها في السر، بس هخبي على اللي هتجوزه إزاي؟".

 

خطافة الرجالة".. سكرتيرة لـ"هن": الفكرة مزروعة عند ناس كتير حتى لو مستواهم عالي

 "مطلوب سكرتيرة للعمل، حسنة المظهر، ولا يشترط الخبرة".. إعلان ربما تصادفه كثيرًا بالجرائد وعلى جدران البيوت والمحال، وداخل عربات السيدات بمترو الأنفاق، ومواقع التواصل الاجتماعي، فما هي الوظيفة التي لا تشترط الخبرة بقدر ما تشترط "الحُسن".

ما فات ينضم بسهولة إلى صورة نمطية رسمتها الدراما عن السكرتيرة، التي تلعب دور المرأة اللعوب، أو السيدة التي يتزوجها المدير عُرفيًا، تلك الفتاة التي تجلس خلف مكتب مجاور لمكتب رئيسها في العمل، تساعده في أمور عمله، بل وأي استشارات أخرى بعيدة عن العمل.. طبيعة عمل السكرتيرة دفع الدراما إلى "الاستسهال" في تحميلها صفات "المرأة سيئة السمعة خطافة الرجالة"، وتلاقها المجتمع كذلك دون أي تصور آخر، فباتت هذه الصورة هي كل ما يعرفه عن السكرتيرة، بخاصة أن عملها طوال اليوم يفرض عليها الجلوس مع مديرهما منفردين تحت سقف واحد. 

مارينا تخوض "الحرب الباردة": لا "مضيفة" نافع ولا "سكرتيرة" شافع ربما صادفها الحظ أن تعمل مضيفة طيران، مثلما كانت تحلُم، شهور عدة قضتها "مارينا. م" 27 عاما، ابنة منطقة عين شمس، وهي تمارس تلك المهنة التي كانت تسعى إليها، الملابس الخاصة بها، التنورة القصيرة، والكاب، والسفر من بلد لأخرى كان حلم الفتاة الذي لم يستمر لظروف خاصة، فعلى الرغم من حبها لتلك المهنة فإنها لم تسلم من كلام الجيران "الهمسات واللمزات" كانت تطرق آذانها، بسبب سفرها وملابسها، ما بات يدفعها لارتداء ملابس أكثر حشمة قبل أن تخطو لـ"المنطقة" حتى تسلم من لسان الجيران.

لم يمر الكثير عقب ترك مارينا وظيفتها، لتلتحق بإحدى الشركات التي عملت بها سكرتيرة، لتخوض من جديد حربا باردة مع المجتمع.

مارينا: السواق عرض عليا حشيش لأني "سكرتيرة المدير"

تسرد الفتاة العشرينية واحدا من أكثر المواقف التي لم تنسها طيلة فترة عملها، وقبل أن تترك تلك المهنة منذ سنوات، ربما بشكل ساخر، أو استنكاري، أو حتى بنبرة شفقة على هؤلاء الأشخاص الذين يتركون خيالهم لسوء النوايا.

تقول الفتاة لـ"هن": "طبيعة شغلي كنت بخلص متأخر، وكان في سواق المفروض تبع المكان بيوصلني، لكن لأنه هو كمان واخد فكرة غلط عن السكرتيرة، زي ما بيشوف في الأفلام، واني برجع متأخر، اتفاجئت إنه عرض عليا "حشيش" هدية منه وفتح كلام".

وتابعت: "قال لي بشكل غير مباشر إن أكيد هوافق، مانا سكرتيرة وساكنة في حتة شعبية وباجي متأخر، لكن مسكتش وطلعت كلام الناس اللي كنت بسمعه كله فيه، وبعدها سبت الشغل".

واستطردت: "اتفاجئت إن الفكرة مزروعة عند ناس كتير حتى لو متعلمين ومستواهم عالي، لأني عرضت على صديقة ليا شغل في شركة اتصالات كان دوامه لحد بعد 12 منتصف الليل، ووقتها والدتها رفضت بشدة مش عشان المعاد، لكن عشان كلام الناس بس".

رجال عن مهن حكم عليها المجتمع بالسوء: "نصاحبهم آه.. نتجوزهم لا"

 الجنس الآخر هو ربما الطرف الأكثر تشتتًا في تلك المعادلة الصعبة، فإذا وقع في حب فتاة ممن يزاولن تلك المهن التي حكم عليها المجتمع بالسوء، يظل في حربه بين المشاعر، ونظرات المجتمع، وتحكمات العائلة، فهل يخضعون لحكم القلب أم يتحكم العقل هنا وتبدأ حساباتهم الخاصة؟

"أنا دايمًا فاهم أن الممرضة لابسة لبس النوم تحت اليونيفورم".. كلمات صادمة بدأ بها "محمود. م" (29 عاما) الحديث عن بعض المهن التي يظلمها المجتمع بسوء التقدير، متحدثا عن نظرة بعض الرجال في هذا الأمر.

 "بالنسبة لي لما أتجوز ماليش دعوة هي كانت بتعمل إيه قبلي، المهم هي معايا إزاي، لكن للأسف بعض البنات بتتظلم بسبب حكم المجتمع على مهن بعينها إنها سيئة، واللي بيشتغلوا فيها ميصلحوش لتكوين عيلة". مضيفا لـ"هن": "المجتمع والمسلسلات دايما مصدرين أن الممرضة دي لابسة "قميص نوم" تحت لبس التمريض، طالما بتبات برة، فأكيد بتعمل حاجة غلط، غير أنه دايما المسلسلات والأفلام بيخلوا المهنة دي حجة للشخصية اللي بتجسد دور راقصة أو فتاة ليل أو غيرها، فأساؤوا للمهنة". وتابع: "الأهل كمان بيدوني إيحاء إني ممكن أصاحب سكرتيرة، ممرضة، عاملة مساج، لكن متجوزهاش".

محمد: التلفزيون خلانا نحكم أن المهن دي سيئة السمعةمن جانبه أشار" محمد. خ" 30 عاما، لمدى قوة الأعمال الدرامية في ترسيخ تلك الفكرة لدى المجتمع بشكل عام، ولدى الرجال بشكل خاص.

"من زمان جدا وفعلا في مهن المجتمع والتلفزيون خلوها سيئة السمعة، زي البنات اللي بتشتغل في محلات "لانجري" في وسط البلد وبيخلصوا 12 باليل وبينزلوا 1 الضهر، والممرضات اللي أغلبهم أقاليم، وده طبعًا بسبب الدراما اللي زودت ده في عقول الناس الفكرة".

وتابع: "أنا شايف سبب الموضوع ده إن معظم الشغلانات دي البنات بتبقى بعيد عن الأهل، وده اللي بيخلي الناس تتكلم، وتتخيل وتحكم على البنت والمهنة كلها".