امرأة قوية

كتب: يسرا محمود -

05:33 م | الإثنين 20 مايو 2019

غارمة

على خشبة مسرح مثبت داخل إحدى المراكب النيلية وقفت أمام الحضور، ساردة بشجاعة الصدمات القاسية التي بدّلت ملامح حياتها لدخولها السجن وسط الغارمات، حتى بدأت حياة جديدة، وذلك خلال فعاليات المؤتمر السنوي لجمعية رعاية أطفال السجينات، بحضور شخصيات عامة وممثلي وزارتي "التضامن الاجتماعي" و"الشباب والرياضة"، باعثة الأمل في الحضور، مؤكدة تقبلها عيوبها وأخطائها، واستمرارها في تطوير مهاراتها.

"بصمت بالعشرة إنّ الضربة اللي مبتموتش بتقوي".. عبارات إيجابية بدأت بها أسماء محمد حديثها لـ"الوطن" عن تجربتها كبائعة للملابس الجاهزة مقابل 40 جنيها أسبوعيًا، لإعالة أبنائها الثلاثة وزوجها "الأرزقي"، الذي لم يتمكن من توفير دخل للأسرة منذ 2005: "كنت باخد لبس من ناس وأبيعه في السوق، وأرجع المكسب لصحابه وأخد أجرة تسويقي للشغل"، لتتوسع خلال أشهر معدودة، وتبيع كم أكبر من الملابس، ما دفع إحدى جيرانها للإلحاح عليها لمشاركتها، طمعًا في الحصول على ربح سريع، إلا أنّها هربت فجأة، مسببة للأم المعيلة ديون بـ27 ألف جنيها، أدت إلى الحكم عليها بالحبس لمدة 21 عامًا.

أيام صعبة مرّت على السيدة الثلاثينية بين القبضان، دون أنّ يزورها أحد من أسرتها، وسط وعود "كاذبة" من جمعيات أهلية بفك كربها، حتى فقدت الأمل في مغادرة الزنزانة، إلى أنّ طلبت جمعية "أطفال السجينات" مقابلة الغارمات لمعرفة أسباب حسبهن، لتحكي "أسماء" أنّها فوجئت بسرعة استجابة الجمعية، فأجرى فريق الجمعية بحثا لحالتها، وتم دفع الغرامة لها، بعد قضائها 3 سنوات و8 أشهر في الحبس.

بخطوات سريعة مليئة بالمحبة والشغف، هرولت "أسماء" إلى منزل زوجها، لتصدم بزواجه عليها ومنعها من رؤية أبنائها، قائلًا: "مينفعش أنا وولادي نعيش مع رد سجون زيك، يلا من هنا ملكيش مكان وسطينا"، وسط ذهولها من الموقف غير المتوقع، خاصة أنّها دخلت السجن بسبب محاولتها مساعدته ماديًا والإنفاق على الأسرة: "حسيت ساعيتها إنّي ضيعت عمري هدر".

زادت مأساة "أسماء" برفض عائلتها التعامل معها، ونفور جيرانها منها، لتقرر هجر محافظتها وذهبت لشقيقها في القاهرة، الذي استقبلها ببرود، وأخبرها أنّه لا يمكنه إعالتها، طالبًا منها البحث عن عمل ومحل سكن: "حسيت إنّ الدنيا كلها قفلت في وشي، فكلمت الجمعية تاني عشان يساعدوني".

دورة تدريبية في الحياكة قدمتها "رعاية السجينات" لـ"أسماء"، لتساعدها على اكتساب مهارة جديدة، فضلا عن توفير شقة متوسطة الحجم في "كرداسة"، وتقديم وجبة شهرية لها، وماكينة خياطة، الأمر الذي ساعد الثلاثينية على بداية الاعتماد على الذات، حتى عملت في مصنع ملابس أطفال براتب 3 آلاف جنيه شهريًا، إلى جانب عملها في المنزل.

وتابعت السيدة: "لما استقريت عرفت أرجع ولادي لحضني، خصوصا إنّ جوزي مكانش عارف يصرف عليهم"، لتخرج من التجربة الموجعة بقصة نجاح ملهمة، وخبرات حياتية عظيمة، تمكنها من مواجهة مصاعب الحياة بقوة.

أخبار قد تعجبك