زفاف
بعد 70 سنة فراق..

عيناها تلمعان بشدة خلف نظارتها الطبية كلما نظرت إليه.. تزداد ملامحها حُسنًا في وجوده وتتوارى تجاعيدها المتوغلة بين ملامحها التركية.. فيطيل حديثه معها مستمتعًا بجمالها وضحكاتها.. يعاملها كأنها فتاة أحلامه المثالية، التي لم يخلق مثلها في البلاد، بينما تنظر إليه كهدية القدر التي تعوضها بالمحبة والسعادة عن سنينها العجاف، يؤنسان بعضهما داخل شقته بمنطقة "رمسيس" المكدسة بالكتب ومؤلفاته، تتجمل حوائطها بصور متناثرة في أرجاء الغرف لـ"حبيبة العمر"، أسفل إحداها حقائب سفر، تحمل أمتعتهن استعدادًا للسفر لقضاء شهر العسل، مكللين مشاعرهما المتوجهة منذ 70 سنة، بالزواج، ودون وجود ذويهما أو استعدادهما بأزياء سهرة لتلك الاحتفالية.

"الوطن" التقت العروسين الروائي حسين قدري صاحب الـ85 عاما وابنة خاله عصمت كاظم، التي تصغره بـ4 سنوات، داخل "عش الزوجية"، قبل ساعات من مغادرتهما القاهرة، ليرويان تفاصيل قصة حبهما.

يتذكر الكاتب الثمانيني مبتسمًا، أنه وقع في حب ابنة خاله من أول نظرة، عندما جاءت والدتها وزوجة خاله في الوقت نفسه إلى منزل أسرته بحي السيدة زينب، حاملة بين يديها رضيعة ملائكية، شديدة الشبه بالدمى الأجنبية، طالبة منه الاعتناء بها، ليُزد على ذلك عشقه له، وتفرغه للهو معاها، وحين تمكنت من السير والتكلم، أخذها للعب معه في الشارع، وعندما وصلت إلى المرحلة الإعدادية في عمر الـ14، تقدم إليها رسميا، بعد أن ألمحت زوجة خاله لوالدته، برغبتها في ارتباط ابنها الأصغر بابنتها، رغم أنه مازال طالبًا بكلية الهندسة، ليُعقد حفل خطبتهما بعد تقديمه مهر مقداره 100 جنيه، وشبكة تتجاوز الـ25 جنيها، و"كانت أحلى ليلة في عمرنا كله".

عقب انتهاء الحفل، أخبره والدها تركي الأصل، بتعليمات صارمة للتعامل معها، منها عدم خروجهما سويًا حتى ينتهى من دراسته ويتزوجها، إلا أنه كان يخالف الاتفاق لتنظرهما عقوبة بدلت حياتهما.

وتروي "عصمت" تفاصيل الواقعة، التي حدثت في عيد ميلادها الـ16، عندما قرر خطيبها الاحتفال بها بالتسكع في شوارع منطقة المعادي بجوار منزلها، مؤكدا رجوعها إلى المنزل قبل عودة أبيها في الساعة الثالثة عصرًا، وذلك بالتنسيق مع والدتها، وعند توصليه لها إلى المنزل في الثانية ظهرًا، تفاجأ بخاله يفتح الباب لهما، ويسحب نجلته من شعرها إلى الداخل، ناهرًا "حسين" عقابا على حدث، قائلاَ بمنتهى الغضب والحدة: "لما تسيبك من مجالات الأطفال اللي بتكتب فيها، وتركز في مذاكرتك وتتخرج، نبقى نشوف موضوع الخطوبة"، وبعدها توجه إلى "عصمت" ليبرحها ضربًا عقابًا على فعلتها، "كنت فاكرة الموضوع هيخلص لحد كده، لكن بابا صدمني بكارثة فوق توقعات".

نبرات حديثة، تسترسل صاحب الـ81 في الحكي، موضحة أنه عقب أسابيع من عيد ميلادها زارها جارنا الصيني، ومعه رجلين وشيخ يحمل دفتر في يده، وجلسا مع والدها لمدة ساعة، ثم نادى على والدتي "مبروك بنتك أتجوزت"، ليسود الصمت لدقائق، تلاه نحيب وبكاء وصراخ، ورفض منها إتمام الزيجة دون جدوى، فلقد تقاضى والدها مهر غالٍ يقدر بـ700 جنيها.

وبعد أيام من عقد القران، ادخلها أبيها عُنوة إلى غرفته لتجد العريس في انتظاري، "اتقفل علينا باب واحد بالمفتاح، ومعرفتش أهرب.. كانت ليلة مرعبة وبشعة"، متابعة بشغف: أخبرته أنني أحب رجل غيره حتى يطلقني، لكنه ليدخل بي مؤكدًا على حبه الشديد اتجاهى، وذلك بالتزامن مع انقطاع التواصل مع "حسين"، وسعيه للتخرج بأعلى التقديرات، ليذهب إلى والدي بعد شهور، ويخبره بتخرجه وترتيبه الخامس على دفعه، طالبًا منه رؤيته، ليصدمه "عصمت أتجوزت وقربت تخلف.. وحاجتك وديتها عن والدتك"، للحظات لم يدرك ما قيل له، حتى ذهب إلى منزل أسرته محملها بمشاعر الخزي والصدمة، واستقبلته والدته واحتضنته، وشددت أنها لما تخبره خوفًا من ارتكابه جريمة، وأن خطيبته لم تتمسك به، في محاولة منها أن يتجاوز ابنها أزمته.

 

الحياة فرقتهما نتيجة انتقالها للعيش مع زوجها في السعودية، نظرًا لطبيعة عمله كمستشار للملك فيصل، لتزور "عصمت" مصر بعد سنة ونصف من الغربة، متجهة نحو بيت حبيبها الأول، واعتصمت به حتى تحقيق رغبتها في الطلاق، والزواج من "حسين"، سادرة كل تفاصيل زواجها التعيس لوالدة "عشقها الأول"، لتتعاطف معها، مرسلة خطاب إلى حسين تخبره بما حدث في الولايات المتحدة أثناء حصوله على بعثة تعليمية في مجال الهندسة، ليخبرها بعدم رغبته في الزواج منها، "علشان هي تخلت عنه ومحبتوش كفايا"، وتستمر حياة الزوجة المكلومة المتنقلة مع زوجها من الصين إلى المغرب، نظرًا لطبيعة عمله، منجبة من 9 أبناء، توفى منهما 5، أما "قدري" فتزوج 3 مرات، دون إنجاب لأنه عقيم، محاولًا نسيان حبه الأول لكن بلا فائدة، فلا أحكام على الهوى والفؤاد، خاصة أنها بدأ رويدًا رويدًا في استعاب موقف حبيبته، وإدارك أنها إجبرت على الزواج من غيره.

وفي 1991، توفى زوجها في حادث سيارة، لتهرول مسرعًة بعد شهور العدة إلى "حبيبها الأَوَلي"، لتجده متزوجًا، مقررًا عدم هدم حياته الأسرية، حتى توفت تزوجت منذ عامين، ليطلب من "حبيبة العمر" الزواج، التي خافت من المواقفة إلا بعد استشارة أبنائها الـ4 وأحفادها الـ23، موضحة: "بصراحة خفت أن المعجبات بيه يعملوا فيه حاجة علشان سابهم وأتجوزني"، مكتفية بالعيش معه بحدود في منزله، يتبادلان الأحداث عن بطولاته في كتابة الروايات الرحلات، ومشاهدة الأفلام والبرامج، واتفاجئنا إن فيلم فوتو كوبي بيحكي قصتنا"، وفي بعض الأحيات تنزهن بالذهاب إلى النقابة الصحفيين، منذ أسابيع اقنعها حبيبها بخطوة الزواج، بعد إلحاح أبنائها عليها.

أعلن الحبيبان زواجهما وسط ترحيب أصدقائهما، ليقيما حفل زفاف في نقابة الصحفيين وسط احتفال وتندر المقربين، تألقت فيه العروس بإطلالة كاجوال من اختيار نجلتها، فيما ارتدى الروائي بدلة قاتمة اللون، ليتسعد العروسان للسفر إلى الإسكندرية، ثم إلى العاصمة لندن ليبدأن حياة جديدة.. "هعوضها وهعوض نفسي عن كل السنين اللي راحت، وهنخلي حياتنا كلها عسل، وكفايا عليا أني هختم عمري مع حب عمري".

 

أخبار قد تعجبك