رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

"رويا".. رائدة في صناعة السينما بأفغانستان تتحدى "الظلام": نحتج بأفلامنا

كتب: آية المليجى - روان مسعد -

03:09 ص | الجمعة 08 مارس 2019

رويا

عاشقة للسينما، الموسيقى، الشعر، القهوة، الشيكولاتة الخام، والزهور، روحها تظهر في أفلامها جليا، أشياؤها المحببة إليها تخبر الكثير عن تلك الشخصية النسائية الرائدة في صناعة الأفلام بأفغانستان، أكثر المجتمعات التي شهدت عصورا للظلام، وإقصاء للمرأة لعدة سنوات، كانت المخرجة رويا سادات طفلة صغيرة لا تعرف العيش دون الكتابة في الفن والسينما والمسرحيات، القطع الأدبية والشعر، فطرت لتكون مبدعة تتحدى ظروف وضعت بها فطوعتها لخدمتها.

تعد "رويا" أولى السيدات في المجتمع الأفغاني التي تهتم بصناعة السينما والأفلام والإخراج، بدأت منذ كانت في المدرسة تكتب المسرحيات وتعرضها على مدرسيها، لم يكن الأمر في البداية يلقى الرواج المناسب، لكن مع تقدمها في العمر وتقدم كتابتها بدأت المدرسات في إعطائها الاهتمام الذي تستحقه، وصل الأمر حتى أصبحت تلك المسرحيات التي تخرجها تعرض في وزارة "المعارف"، أو التربية والتعليم، تقف الصغيرة على المسرح في نهاية كل مسرحية، فخورة بالتصفيق الحاد الذي تتلقاه من المحيطين، "كانوا يشعرون بالغرابة كوني صغيرة وأنثى".

لا تزال تتذكر البروفات التي خاضتها مع الممثلات في غرفة خلع "البرقع" للمدرسات في مدرستها، كانت أولى المسرحيات التي تكتبها وتخرجها بينما كانت في الصف الخامس الابتدائي، أيام كان لا يزال الجميع يخرج للنور، وتحدث النقاشات في الفن والسياسة والثقافة، حتى جاء حكم طالبان بطبيعة الحال انقلبت الحياة في محيط رويا، لكنها قررت ألا يصيبها هذا الأمر إلا بمزيد من الإصرار على تحقيق حلمها، وبلوغ هدفها بأن تكون صانعة أفلام، بل وتعرض قضايا المرأة المهملة والمهمشة في مجتمعها.

أجبرت "رويا" حينئذ على الالتزام بالمنزل، كما الفتيات الأخريات كان ممنوع عليهن رؤية الشارع إلا في ظروف معينة، وفي أوقات مناسبة، حينها كانت في قمة شغفها، توقفت فجأة عن الحلم والعمل، لكن الظروف شجعتها أكثر على مواصلة العمل، تقول رويا لـ"الوطن": "اتجهت أكثر نحو الكتابة والقراءة وأصبحت أعرف نفسي أكثر وأستنتج إني شغوفة بصناعة الأفلام".

كان التحدي الأكبر الذي واجه "رويا"، هو أن تظل في أفغانستان، تعمل في الداخل مهما كانت الظروف، وفي السنة الرابعة من حكم طالبان منتصف العام 1999، بدأت رويا في كتابة أول أفلامها "النقاط الثلاث"، الذي استحوذ على كثير من الاهتمام العالمي والمحلي كونه أول فيلم أفغاني تخرجه امرأة وتكتبه، ومع رحيل حكومة طالبان في عام 2002، اتجهت الأضواء صوب تلك المرأة التي نجحت بالفعل في صنع الفيلم رغم الإمكانيات المحدودة للغاية، والظروف الحالكة التي مرت بها، في ظل حكومة دمرت السينما الوحيدة الموجودة في محافظة طالبان وبنوا مكانها مسجدًا.

خرج الفيلم للنور، رغم قلة معرفة صاحبته بأماكن العرض، وتوزيعه وترويجه عالميًا، وعرض في مهرجان روزنة في كابل، وحصلت رويا على جائزة أفضل مخرجة، كما حصلت على سبع جوائز تقدمها مؤسسة "طلوع التليفزيونية"، وعدد من الجوائز الهامشية الأخرى، تقول "رويا": "كنت أشعر ببعض النشوة لدرجة أن في أحد المهرجانات في وقت تسليم الجوائز وجدت شخصًا قادمًا نحوي حاملًا مزهرية يقدمها لي"، وبعد مهرجان "روزنة" عرض الفيلم في عدة مهرجانات عالمية وبالأخير بيع الفيلم لمفوضية حقوق الإنسان ونشر من قبل عدة قنوات تليفزيونية محلية وعالمية ووصل لعدد كبير من الناس كما كانت تتمنى وهكذا بدأت مسيرتها في عالم السينما.

كان للنجاح عواقبه الوخيمة على "رويا"، التي أدى صنعها لفيلم "النقاط الثلاث"، إلى قطع العلاقات مع عائلة عمها، ومع اشتراك الفيلم في عدة مهرجانات دولية مع بداية عام 2004 أثار التساؤلات في الداخل عن الفيلم وموضوعه، تقول "رويا": "مع سفري لأول مرة لمهرجان بألمانيا قال رئيس جامعتي إن سفري خلاف الشرع والدين وبعد ذلك سألني عن موضوع الفيلم، وكانت هذه سنوات بعد عهد طالبان التي ما زال الناس يضعون ستارة ما بين فصول البنين والبنات لكي لا يروا بعضهم البعض حينما يعبرون الأروقة"، فرغم رحيل الحكومة إلا أن الفتيات كن لا يزلن يعانين تقول "رويا": "كانت تأتيني دعوات من مهرجانات دولية مرسلة إلى عنوان (أفغان فيلم) – وهي المؤسسة الحكومية المسؤولة عن إنتاج الأفلام التابعة لوزارة الثقافة - ولم تكن تصلني، فلم يكن لدي بريد إلكتروني ولا هاتف".

"رويا" مع مهاراتها في صناعة الأفلام هي أنثى ناجحة على المستوى الشخصي، فهي أم لطفلين هما أرسلان وأوستا، في أوقات فراغها تفكر بما أسمته "روحها الحزينة"، في "العدالة ومفاهيمها المعقدة"، تساؤلات تطرح دومًا كونها ولدت أنثى في مجتمع مغلق، ورغم بلوغها عامها الـ36، لا تزال تواجه الكثير من المواقف التي تفرق بين الذكر والأنثى، لكنها تقول إنها تعودت ألا تكون عابئة بما يجري، "لأني أعيش في مجتمع غريب، كوني فتاة تعمل بالأفلام، وأحياناً أشعر بالحزن والغضب لحال المجتمع".

تعاني النساء في أفغانستان أكثر من الرجل في مجالات العمل المختلفة، لكن مجال الفن والسينما أبرزها وأكثرها خطورة، فلا بد من تسلح المرأة بالأمل فهو طاقة عجيبة، وبالفعل تمكنت "رويا" من تخطي الصعاب، "في الحقيقة أفغانستان بلد مليء بالتناقضات والمشكلات أن تكوني أنثى بحد ذاته هو أكبر تحدٍ لصانعي افلام، ففي وطننا أن تعملي في السينما غير مقبول ما بالك أن تعري مشكلات ومعضلات المجتمع أمام الناس عمومًا وأن تكوني قائدة لفريق عمل في وسط صحراء". 

بعد النجاح الكبير لفيلمها الأول، صنعت "رويا" الفيلم الروائي الأول "رسالة إلى الرئيس"، ثم توالت نجاحاتها، فهي انتقادية في اختيار موضوعاتها، تعرض الواقع الذي تعيش فيه، وترى أن الأفلام طريقتها الاحتجاجية الخاصة، "أعتقد أنه إذا كان مجتمعًا مثاليًا، فأنا لست بحاجة إلى صناعة الأفلام، نحن نصنع الأفلام لكي نحتج"، طريقة ساعدها عليها على غير العادة رجل هو والدها، وزوجها عزيز دلدار، مع أسرتها وتلاميذها، وذويها صنعت طريقًا خاصًا بها للنجاح في مجال أكثر خطورة، داخل المجتمع الأشد ظلامًا.