علاقات و مجتمع

كتب: إسراء جودة -

12:35 م | الجمعة 19 أكتوبر 2018

صورة أرشيفية

دموع ملأت العيون وعلامات حزن وصدمة ارتسمت على وجوه الجميع عند قدوم الأم معلنة عن إصابتها بسرطان الثدى، حيث تبدأ مراحل العلاج ويتساقط شعر المريضة واحدة تلو الأخرى، وتضعها جراحة استئصال الثدى المُصاب فى حالة نفسية مأساوية، تحاول أن تتجاوزها مع مرور الوقت بدعم ومساندة المحيطين بها. تتملكها مشاعر يأس وأمل فى الوقت ذاته، ويصيبها الخوف للحظات حتى تطمئن مجدداً، مراحل تعيشها المصابة وترقبها الطفلة الصغيرة بعيون تسجل كل ما تراه حولها، تسكن بداخلها مخاوف من المرض وإمكانية انتقاله إليها وراثياً فيما بعد، وتتزايد حدة هذه المخاوف كلما تقدم بها العمر.

«التاريخ العائلى» لمرض سرطان الثدى يظل مصاحباً لبعض الفتيات طيلة سنوات عمرهن، فتارة يصيب الأم وأخرى الجدة وثالثة أحد أقاربهن، لا يفرق بين مراحلهن العمرية، ما يضاعف مخاوفهن باقتراب مهاجمته لهن، وتروى بعضهن لـ«الوطن» تجاربهن الشخصية بعدما أصيب عدد من أفراد أسرهن بهذا «المرض اللعين».

إصابات متوالية للجدة والأم والخالة وابنة الخال فى أعوام تلو الأخرى، وضعت منى حسن فى أزمة نفسية، فهى تترقب الإصابة بسرطان الثدى فى أى لحظة، خاصة بعد إجرائها اختبار«BRCA»، الذى كشف عن استعداد جيناتها لاستقبال سرطان الثدى، ما عزز مخاوفها بالوقوع تحت سطوة المرض آجلاً أو عاجلاً.

رحلات علاجية طويلة كانت «منى» شاهدة عليها، خاصة بعد اكتشاف والدتها أنها مصابة بالمرض وخضوعها لجراحة استئصال للثدى الأيسر فى 2006، وتلتها إصابة ووفاة ابنة خالها، 38 عاماً، فى العام الحالى، وهو ما جعل إصابتها بهذا المرض هاجساً لا يفارقها طوال الوقت: «بعمل كشف ذاتى يومياً وعندى خطط استباقية عشان أعرف أتصرف لو حصلى أى حاجة بعدين»، وللحظة لم تستطع «منى» محوها من ذاكرتها حين وجدت بثوراً غير معتادة حول أحد ثدييها، لم تدرِ كيف تتعامل معها وظلت تتساءل هل حانت اللحظة التى طالما تمنّت عدم قدومها طوال السنوات الماضية، لتسرع بإجراء فحص طبى كامل للجسم، جاءت نتائجه سلبية لتؤكد خلو جسدها من أى أورام سرطانية، لتحاول طمأنة نفسها وإقناعها بأن السرطان مرض لن يميت صاحبته: «باعتبره زى البرد والكحة مابيموتوش حد، وهو مرض زيهم هيدخل ويطلع بس مش هيموت».

اضطراب دائم صاحب الشابة العشرينية أروا أشرف، فمنذ سنوات عمرها الأولى تلمست الأوضاع غير المألوفة التى تجرى لجدتها، ثدى مفقود وشعر يتساقط باستمرار وحرق بسيط بيدها من أثر العلاج الكيميائى قوى التركيز، جعلها تشعر بإصابتها بمرض ما لا تدرك مدى خطورته وصعوبة مقاومته، تمكّن من جسد جدتها وفارقت الحياة على أثره، ليعود الشعور ذاته فى العام 2004 عند إصابة خالتها بسرطان الثدى أيضاً، لكنها واجهته بعزيمة قوية جعلتها تنتصر عليه وتجرى جراحة تعويضية للثدى المُستأصل، ليعاود مهاجمة ثديها الآخر وتنتصر عليه مجدداً حتى غادر جسدها بالكامل، لكنها لم تلبث حتى غادرت الحياة منتصرة على مرضها الخبيث.

صدمات متوالية أحاطت بالعائلة، يتجاوزون إحداها فتتبعها أخرى، حتى جاءت الأخيرة عند إصابة والدتها قبل 6 أعوام، لكنها لم تدم طويلاً بعدما تغلبت عليه الأم فى مراحله الأولى بالجراحة وعدد من الجلسات الكيميائية والإشعاعية وسط دعم دائم من ابنتها، التى لم تغادرها مخاوف الإصابة بالمرض كأسلافها من العائلة: «بعمل فحص ذاتى باستمرار بس القلق والتفكير فى المرض مش بيفارقنى».

الشعور بالألم ونظرات الشفقة، هما كل ما تخافه «أروا» من الإصابة بسرطان الثدى، فهى ترى من التجارب التى مرت بها أن المرض يمكن تجاوزه كما تجاوزته والدتها وخالتها وغيرهما، لكنها لم تتخل عن قناعتها التامة بأن حياة جديدة دائماً ما تتبع المرض: «المريض بيعانى بس بيخف وحياته بتكمل لكن بيبقى أقوى من الأول».

وهناك ظروف حياتية شبيهة عاشتها الزوجة الثلاثينية «سما وحيد»، فقد كانت والدتها أحدث ضحايا العائلة اللاتى أُصبن بسرطان الثدى خلال الأعوام الماضية، لكنها لم تقاومه بعزيمة قوية كما ترى ابنتها الكبرى، إذ تمكن منها اليأس والشعور باقتراب الأجل، لتنتهى حياتها تاركة ابنتيها، اللتين أصابتهما حالة من فقدان الأمل وظلت الوساوس تراودهما باقتراب المرض منهما، ليزيد اضطرابهما ويلجآن للفحص الذاتى باستمرار، ويتبادلان مخاوفهما وتخيلاتهما معاً.

أخبار قد تعجبك