رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

"تنظيم النسل".. المؤسسات الدينية: ضرورة وطنية.. و"السلفية": كثرتهم نعمة

كتب: سعيد حجازي ومحمود الخضيري -

05:27 م | الخميس 19 يوليو 2018

صورة ارشيفية

أطلقت مؤسسات الدولة، حملات دينية وتوعوية للتحذير من خطورة التضخم السكاني، خلال السنوات المقبلة، كان أخرها مبادرة وزارة التضامن الإجتماعي تحت مسمى "طفلين كفاية"، حيث أكدت المؤسسات الدينية الرسمية أن التحديد أمر مباح ومرحب به لتحقيق المصلحة العامة، فيما اعتبر السلفية أن الأطفال رزق وكثرتهم نعمة.

الإفتاء: القلة الطيبة خير من الكثرة الفاسدة.. والعزل بين الزوجين جائز

قال دار الإفتاء، في فتوى لها حول حكم تنظيم الإنجاب، المقصود بتنظيم الأسرة، وهو أن يتخذ الزوجان باختيارهما واقتناعهما الوسائل التي يريانها كفيلة بتباعد فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان يتفقان عليها فيما بينهما؛ لتقليل عدد أفراد الأسرة بصورة تجعل الأبوين يستطيعان القيام برعاية أبنائهما رعاية متكاملة بدون عسر أو حرج أو احتياج غير كريم.

وأضاف: "الإسلام لم يفرض على كل مسلم أن ينجب عددًا معينًا من الأبناء، لكن حث عموم المسلمين على النكاح والتكاثر، وذلك لمن كان منهم مستطيعًا، أما غير المستطيع بسبب ظروفه المالية فأمره الشرع بالصبر والاستعفاف، وكانت وسائل تنظيم النسل معروفة في العصور القديمة، ولكنها تكاد أن تنحصر في طريقة "العزل"، والذي هو قذف النطفة بعيدًا عن الرحم عند الإحساس بنزولها أثناء الجماع؛ لمنع التقاء "مني" الزوج ببويضة الزوجة.

وورد عن الصحابة، رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يعزلون عن نسائهم وجواريهم في عهد الرسول، وأن ذلك بلغه ولم ينهَ عنه، فقد أخرج البخاري ومسلم واللفظ له في "صحيحيهما" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا".

فكأنه يقول: "فعلنا العزل في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقرَّ عليه"، مما يدل على أن تنظيم النسل لا تأباه نصوص الشريعة وقواعدها قياسًا على العزل الذي كان معمولًا به في عهد الرسول.

وتابع: "الأولاد هبة مهداة إلى الإنسان فهم أيضًا أمانة وفتنة واختبار ومسؤولية معلقة في عنقه لابد من أن يرعاها حق رعايتها كما في فتنة الأموال، فقال تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ".

وأمر الله عز وجل المؤمنين بالعمل على إصلاح النفس والأهل والنأي بهم بعيدًا عن الهلاك، والإضاعة تكون بعدم الإنفاق المادي، والإهمال في التربية الخلقية والدينية والاجتماعية، فالواجب على الآباء أن يحسنوا تربية أبنائهم دينيًّا، وجسميًّا، وعلميًّا، وخُلُقيًّا، ويوفروا لهم ما هم في حاجة إليه من عناية مادية ومعنوية، وما لم يغلب على ظن الإنسان أن لديه القدرة على تحمل مسئولية الأولاد، فإنه ما لم ينظم عملية الإنجاب عرض نفسه لتكلف ما يفوق وُسْعَه من واجبات، بل تعرض بذلك للوقوع في إثم الإخلال بحقوق من سيعولهم من الأبناء، بما يعود عليه وعلى زوجته وأولاده بالمشقة والضرر.

فهذا النهي يشمل كل المضار سواء كانت مضارًّا في الدنيا تكلف الإنسان ما لا يطيقه ويجعله تعيسًا في حياته، أو في الآخرة بتحمل الإنسان مسؤولية يعلم من نفسه أنه سيعجز عنها وسيحاسب على إضاعتها حسابًا شديدًا في الآخرة، ولهذا قال نبي الله نوح عليه السلام، في شكواه قومه إلى ربه عز وجل: "رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا"، ففي هذا دلالة على أن الذرية لابدَّ معها من الصلاح والإصلاح، وإلا فالقلة الطيبة خير من الكثرة الفاسدة المستتبعة للخسار.

 الأوقاف: حديث "تناكحوا تناسلوا فاني أباهي بكم الأمم يوم القيامة".. لا تناقض مع تنظيم النسل

من جانبه قال الشيخ جابر طايع رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف والمتحدث باسم الوزارة: "العبرة في الإنجاب ليست بالكثرة وليست بالعدد، بل بالصلاح والنفع والمدد، وهذا ما نجده في آيات القرآن، وفي دعاء الأنبياء بالذرية الصالحة، فهم ربطوا الدعاء بالذرية الصالح، ونرى سيدنا إبراهيم يقول: "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ"، وعباد الرحمن دعوا بأن يرزقهم الله عز وجل الذريّة الصالحة.

وحول حديث النبي "تناكحوا تناسلوا فاني أباهي بكم الامم يوم القيامة"، قال "طايع": لا تناقض بين الحديث وبين التنظيم، فالقضية السكانية تعتريها الأحكام الخمسة وتشمل ضرورة الزمان والمكان والحال والاحوال، فلو كان المكان والزمان يسمح بالزيادة يكون أمر مرحب به، لكن الكثرة التي لا نفع فيها ولا بركة تصبح عبئ، ونحن نلتزم بالمبدأ القرآني "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله".

وتابع: "الكثرة الضعيفة المتخلفة التي تكون عالة على غيرها، والتي تعاني الفقر والأمراض والتخلف العلمي والثقافي والحضاري، فهي الكثرة السلبية التي عبر عنها نبينا (صلى الله عليه وسلم) بغثاء السيل، حيث يقول: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قيل: أمن قلة نحن يومئذ يارسول الله؟ فقال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل"، فالكثرة التي تدعو إلى المباهاة هى الكثرة العظيمة، النافعة، التي لا يمكن أن تكون عالة على الآخرين في طعامها أو غذائها أو كسائها أو دوائها.

وأوضح رئيس القطاع الديني أنه يجب أن يأخذ كل طفل حقه في مرحلتي الحمل والإرضاع، وكذلك في التربية السوية، مع ضرورة الوفاء بحقه في المطعم والملبس والصحة والتعليم، أما التقصير في حق الأبناء، وعدم الوفاء بواجباتهم في التربية فيعدُ ظلمًا لهم، ولحل تلك المشكلة نحتاج إلى تغيير النمط الفكري والثقافي للمواطنين، قبل أن تستفحل المشكلة السكانية على حساب التنمية بل على حساب صحة المواطن وظروف معيشته.

في سياق متصل، قال الشيخ محمد البسطويسي مدير إدارة المساجد الأثرية والمنسق لبرنامج التوعية السكانية، إن الأوقاف تعمل على إعداد قوافل توعية بالقضية السكانية، وكذلك خطة للتثقيف العام من خلال الندوات، والمشاركة المجتمعية الواسعة، وتخصيص محور ثابت في مجلة منبر الإسلام للتعريف المستمر بالقضايا الإنسانية والسكانية تحت عنوان "الأسرة والسكان"، مضيفاً: "نستهدف مائة لقاء توعوي كمرحلة أولى تتضاعف تدريجيا للتوعية بخطورة المشكلة السكانية، ومع بيان أن القلة القوية خير من الكثرة التي هي كغثاء السيل، وأن أولادنا أمانة في أعناقنا، وأن تنظيم النسل أمر لا حرج فيه شرعًا، بل إن المصلحة الشرعية قد تقتضيه، وقد يتعين إذا اقتضت الضرورة والمصلحة الوطنية، وهو ما يقتضيه ويفرضه واقعنا الراهن، ويجري التنسيق مع وزارة الصحة والسكان والجهات المعنية بهذه القضية في هذه الحملة القومية للتوعية بمخاطر الإنفجار السكاني".

 "الأزهر": الاكتفاء بطفيلن في الفترة الراهنة شيء محمود

أكد دكتور عبدالله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية التابع لمشيخة الأزهر، أن تنظيم النسل ضرورة دينية ووطنية، وأنه يجب التعامل في قضية تنظيم النسل، في ضوء فقه الواقع، وفقه المصالح والمفاسد، وفقه النوازل، والرد على شبهات تنظيم النسل دحضًا وتفنيدًا.

وأضاف: "قضية الحق في الإنجاب ترجع إلى الزوجين مما يعني أن لكل منهما الحق في تعجيله أو تأجيله، فالشارع لا يريد مجرد مولود بل لابد وأن يكون على جانب من القوة، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".

وقال الدكتور محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية: "تنظيم النسل جائز ولا خلاف في ذلك، لأن على عهد النبي صلي الله عليه وسلم كان هناك مبدأ العزل بين الصحابة، وقد أقره النبي، والاكتفاء بطفيلن فقط في الفترة الراهنة شيء محمود من قبل الزوجة والزوجه ويعبر عن شعورهم بوطنهم، بالإضافة إلى أن المصلحة العامة للدولة المصرية ترشح الآن الاكتفاء بطفلين فقط، لما تمر البلاد من مشكلات اقتصادية واجتماعية وتعليمية، لافتا إلى أنه لا مانع من اتفاق الزوجين قبل الزواج على الاكتفاء بطفيلين فقط حتى يجسنوا تربية أطفالهم.

وأكد عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الحيث الذي يستشهد به التيار السلفي "تكاثروا تناسلوا فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة"، إنما قيل في ظرف كانت تعاني فيه الدولة الإسلامية من قلة العدد وعدد المشركين فأراد النبي أن يكثر عدد المسلمين، بالإضافة إلى أن المسلمين قديما كانت لديهم القدرة على تربية الاطفال بخلاف الواقع الآن، مشيرا إلى أنه يجب فهم الزمن الذي قيل فيه الحديث.

وقال الشيخ عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا: "الأطفال هبة من الله تعالى، فهو الذي يتولى رزقهم، وموضوع الإنجاب وعدمه في يد الله تعالى ولكن لا مانع من الأخذ بالأسباب.

وأضاف "الأطرش"، أن مبدأ تنظيم النسل موجود في الاسلام، بخلاف تحديد النسل فهو حرام شرعا وأوضح رئيس لجنة الفتوى السابق، أن الزيادة السكانية ليست خسارة، فالصين بها أكثر من مليار إنسان ورغم ذلك هي من أقوى الدول الصناعية والاقتصادية في العالم، وأشار إلى أن الحديث عن إنجاب طفلين لحسن تربيتهم وتوفير الموارد الكافية لهم "كلام جميل" ولكنه شعارات ليتها تتحقق.

 السلفية: كثرةَ النسل خاصة مِن الذكور سببُ قوة الأمة.. وليست سببًا في الفقر

على الجانب الآخر، رفضت التيارات السلفية تحديد النسل وقال الشيخ سامح عبدالحميد القيادي بالدعوة السلفية لـ"الوطن": انتشار النسل وتكثيره، نعمة كبرى ومنَّة عظيمة منَّ الله بها على عباده، فتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب لعباده، فأخذ حبوب منع الحمل خشية الفقر، فهذا خطأ فالرزق بيد الله وزيادة النسل ليست سببًا في الفقر، حيث أن هناك دولًا تعاني كثافة سكانية وتعيش رخاءًا اقتصاديًا وهناك أخرى أقل من حيث الكثافات وتواجه شبح المجاعة والفقر.

وقال الشيخ علاء بكر القيادي السلفي، في تقرير له عبر موقع "صوت السلف": "كثرةَ النسل خاصة مِن الذكور سببُ قوة الأمة ومنعتها؛ فتصير أمةً عزيزةً مرهوبةَ الجانبِ بين الأمم، وقِلَّةَ العدد مظهرٌ مِن مظاهر الضعف والخَوَر، فكيف نرضى للأجيال القادمة أن يَقِلَّ عددُها بين الأمم بَعْدَ أن يُرَوَّجَ فيهم تحديدُ النسل وتنظيمُه، فيعانون مما تعاني منه دولُ أوروبا الآن؛ مِن ضعف معدلات النمو، وكثرةِ نسبة كبار السن، وقلةِ نسبة الشباب".

وجاءت في السنة النبوية أحاديثُ عديدةٌ تَحُثُّ على التكاثر والتناسل؛ إذ في كثرة الأولاد الخيرُ الدنيويُّ، ويباهي بهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الأممَ يوم القيامة خاصة، وكذلك هذه الأمة في جهاد إلى يوم القيامة، وتتداعى عليها الأممُ في كل زمان؛ تتحين فرصةَ ضعفِها؛ لتستأصلَها أو تستأثرَ بخيراتها.

ففي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فالإسلام عندما يَحُثُّ أتباعَه على زيادة نسلهم وتكثيرِ عَدَدِهم إنما يريد بذلك قوةَ المجتمع، ولا يكون ذلك إلا بحسن تربية الأولاد، وتنشئتِهم نشأة طيبة، وحسنِ إعدادهم لنفع المجتمع؛ وهذه مسؤولية الآباء والأمهات.

إذ فـَقـْد هذه التربية يعني ضعفَ المجتمع، حتى وإن قَلَّ أفرادُه عَدَدًا، وكَثـُرَتْ ثرواتـُه كَمًّا! ولو أُحْسِنَ إعدادُ النشء لكانوا قوةً يُعتَدُّ بها، حتى وإن كان فقيرًا قليلاً.