رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

فتاوى المرأة

الشك يفسد العقد.. 4 شروط للشهادة على زواج منتقبة دون الكشف عن وجهها

كتب: غادة شعبان -

10:34 ص | الثلاثاء 14 سبتمبر 2021

عروس منتقبة

تغطي وجهها وملامحها بنقاب أبيض اللون، لا يستطيع الناظر سوى رؤية عينيها، فهي أرادت العفة والالتزام به، فضلًا عن الملابس الفضفاضة الواسعة، التي لا تشف أو تصف معالم جسدها، حتى في يوم عقد قرانها وزفافها، إذ أرادت أن تبدأ حياتها الزوجية الجديدة مثلما تمنت.

وطلب أحد الأشخاص من صديق له أن يكون شاهدًا على عقد قرانه على الفتاة الذي أحبها قلبه، لكن الصديق لم يكن يعلم بأن العروس ترتدي النقاب، ليكن في حيرة من أمره، إذ راود عقله سؤالا مهما، قبل أن يلجأ إلى دار الإفتاء المصرية، ويطرحه عليها: «هل يصحّ أن أشهد على العقد دون رؤية وجهها، أم يجب أن أرى وجهها حتى تصحّ الشهادة ويصحّ العقد؟».

الشهادة على زواج منتقبة

قال الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، إن «ارتداء النِّقاب مِن قبيل العادات، وليس من قبيل التَّشَرُّع أو الزينة، وهذا هو ما عليه الفتوى؛ بناءً على أن عورة المرأة المسلمة الحرة جميعُ بدنها إلا الوجه والكفين، وكذلك القدمان عند الإمام أبي حنيفة والثوري والمُزَني، فيجوز لها كشف ذلك؛ لأنه ليس مِن العورة».

وأشار مفتي الجمهورية، إلى أن «هذا ما عليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة في الصحيح من مذهبهم؛ مستندين في ذلك لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عند أبي داود وغيره: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنها دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَقَالَ: (يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا) وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم».

وأوضح علام، أن هذا ما ذهب إليه كثير من الصحابة والتابعين، وأنه مذهب سيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، والأوزاعي، وأبو ثور، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وغيرهم كثير من مجتهدي السلف، مضيفا أنَّ الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للتعامل، وكذا لإتمام العقود والإشهاد عليها.

ومن المقرر شرعًا عند جمهور الفقهاء، أن النكاح لا يصحّ إلا بحضرة شهود؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» رواه ابن حبان في صحيحه.

شروط الشهادة على الزواج

فيما يخص قصة اشتراط الشهادة ورؤية وجه العروس المنتقبة، قال مفتي الجمهورية: «اشتراط الشهادة على النكاح فيه صيانة للأعراض؛ إذ الحاجة ماسة إلى دفع تهمة الزنا عن الزوجة بعد الدخول بها، ولا تندفع إلا بالشهود؛ لأن اشتهار النكاح لا يحصل إلا بقول الشهود، وأيضًا فهو عقدٌ يتعلق به حقّ غير المتعاقدين وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه حتى لا يجحده الأب فيضيع نسبه. قال الإمام ابن قدامة في المغني (7/ 8، ط. مكتبة القاهرة): [النكاح لا ينعقدُ إلا بشاهدين. هذا المشهور عن أحمد».

ويشترطُ في الشهادة على النكاح: أن يكون الشاهدُ على علمٍ بالمشهود به والمشهود عليه، وأن يكون هذا العلم نافيًا للجهالة؛ قال العلامة الكاساني في «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (6/ 277، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الذي يرجعُ إلى المشهود به -أي من الشروط-: فمنها.. أن يكون المشهود به معلومًا للشاهد عند أداء الشهادة، حتى لو ظنَّ -أي كان مجرّد ظنّ- لا تحلّ له الشهادة] اهـ. وقال برهان الدين بن مازه في «المحيط البرهاني في الفقه النعماني» (5/ 335، ط. دار الكتب العلمية): [الشاهد لا يجدُ بُدًّا من النظر إلى المشهود عليه في أداء الشهادة؛ ليكون الأداءُ عن علمٍ] اهـ.

تعريف النقاب

النقابُ: هو غطاءٌ تضعه المرأةُ على طرف أنفها تستر به وجهها؛ فلا يظهر منه غير عينيها أو إحداهما، ولأن المرأة طرف في عقد النكاح؛ فالواجب عليها أن تكشف للشهود عن وجهها، إن كانت منتقبة حتى يروها فيتحقَّق لهم معرفتُها صورةً، وتمييزُها عن غيرها تمييزًا نافيًا للجهالة مانعًا من اشتباه غيرها بها، فإن تحقَّق لهم ذلك من غير أن تكشف لهم عن وجهها، فلا يلزمها حينئذٍ وتصحّ شهادتهم على نكاحها، مع الأخذ في الاعتبار أن الاحتياطَ كشفُ وجهها.

رأي الفقهاء في الشهادة على عقد فتاة منتقبة

ذكر الفقهاء لذلك صورًا أوردوها على سبيل المثال لا الحصر، كما هو المستفاد من سياق هذا الإيراد؛ فإنهم يوردون هذه الصور في سياق ذكرهم لزوم التمييز على النحو السابق بيانه، ومن هذه الصور: أن تكون المنتقبة معروفة للشهود باسمها ونسبها، أو يميزونها بصوتها، أو بالإشارة إليها ما دامت حاضرة المجلس، أو لا يكون في البيت غيرُها أو نحو ذلك؛ فكلُّ ما يحصل به تيقن معرفة الشهود للمرأة وتمييزهم لها عن غيرها يُعتَدُّ به كمسَوِّغ لصحة الشهادة على نكاحها من غير أن تكشف عن وجهها.

يجوز لكن بشروط

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجوز للسائل أن يشهد على عقد زواج صاحبه حال كون المعقود عليها منتقبةً من غير أن يرى وجهها، بشرط أن تكون معروفة لديه، ومتميزةً عنده تميزًا نافيًا للجهالة، مانعًا من اشتباه غيرها بها، ويكفي الإشارةُ إليها ما دامت حاضرةً إذا كان يرى شخصها، أو سماعُ كلامها إذا لم ير شخصها، بشرط ألَّا يكون معها غيرها من النساء لكي تنتفي جهالته بها، وشهادته حينئذٍ صحيحة شرعًا، والزواج صحيح أيضًا، ويستحب أن ينظر إلى وجهها احتياطًا، والله سبحانه وتعالى أعلم.