رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

"ماشفتش يوم حلو فى حياتى".. "سوزان" على كرسي متحرك في "دار رعاية" بولاق الدكرور

كتب: هبة حسنين -

11:52 م | الأحد 15 مارس 2020

سوزان محمد عباس

ترى العالم بأسره، في كل مرة تنظر فيها من شرفتها خلال جلوسها على كرسيها المتحرك، داخل "دار روضة الحبيب للرعاية الإنسانية"، القانظة على بُعد عدة أمتار من موقف "تكاتك" في شارع الرشاح العمومى، بمنطقة بولاق الدكرور، تترقب سماع رنين جرس الباب ربما يكون الزائر أحد أقاربها.

وجهها نحيف، نظراتها ثاقبة، لسانها لا يتوقف عن الثرثرة رغم ما تعانيه من تشوه وإصابات، تعيش سوزان محمد عباس فى غرفة صغيرة بابها مغلق دائماً، ترقد على سرير صغير، ترتدى ملابس تغطى نصفها العلوى فقط أما السفلى فتستره ببطانية ثقيلة لتخفى ما به من تشوهات، فهى مصابة بجرح غائر يشطر ساقها اليسرى نصفين، بخلاف آثار حروق وصعق كهربائى تغطى جسدها، كما تعانى من تشوه نفسى، فما مرت به فى حياتها من قسوة جعلها مضطربة نفسياً، تثرثر كثيراً، تبكى كثيراً، تثور وهى راقدة على سريرها، ولو كانت معافة لركضت من الدار التى تعيش فيها رغماً عنها.

"خرجونى من هنا، ودونى لإبنى حامد، عايزة ارجع لجوزى، انتو متمسكين بيا ليه، عايزين منى ايه"، لا تتوقف "سوزان" عن ترديد هذا الكلام، ثم تدخل فى بكاء هستيرى. انتظرتها طويلاً حتى تهدأ لأعرف قصة حياتها، ما الذى عاشته؟ من فعل بها هذه الإصابات؟ أين يعيش ابنها ولماذا انفصلت عن زوجها؟ ووسط كلمات كثيرة ليست مرتبة لم نصل إلى إجابات شافية.

"اسمى سوزان، اتجوزت واحد بحبه وخلفت منه طفل اسمه حامد، ماشفتش يوم حلو فى حياتى، كنت بتخانق مع جوزى عشان بخرج من البيت من غير ما أقوله، كنت بروح أقعد عند صحابى أو ألف فى الشارع، وفى يوم واحدة صاحبتى خدت منى الواد، قالتلى هاتيه أربيه مع ولادى، ولما عرف جوزى قالى حد يعمل كده في ضناه هو شنطة ولا جزمة بتديها لصاحبتك، حسيت انها ضحكت عليا وخربت بيتى، وحسيت انى عندى مشكلة نفسية، عشان كنت بتعالج فى مستشفى العباسية".

تصمت "سوزان" وتستسلم لنوبة هياج لكنها كانت تحت سيطرة صاحبة الدار والأخصائية الاجتماعية اللتان سارعتا بالإلتفاف حولها وتهدئتها لتعود إلى استرسال الكلام الذى يبدو غير مترابط: "أنا زى الفل وأقدر أعيش لوحدى بس انتو سبونى أخرج من هنا، عايزة أعيش فى شقة مع ابنى بس متكونش صغيرة، أنا مش قليلة، أنا اتخرجت من مدرسة تمريض وأقدر أشتغل وأصرف على نفسى".

قبل عدة أشهر: فى صباح يوم قائظ، اتصل فريق الإنقاذ السريع بوزارة التضامن الاجتماعى، لتسليم مشردة كانت تتخذ من أحد شوارع بولاق الدكرور مأوى لها، تعيش فى أجواء غير آدمية وتعانى من إصابات متفرقة بالغة الخطورة. لم تتردد سامية سيد عبدالحفيظ، مديرة الدار، فى استلامها وتوفير الرعاية الإنسانية والطبية لها: "لما جات الدار كانت حالتها مزرية، كان طالع منها ريحة كريهة، وعندها جروح شديدة، منها جرح فى رجلها الشمال بيأكله الدود، وحروق وآثار صعق كهربا، عارف مين عمل فيها كده".

لم يكن ترويض "سوزان" سهلاً على مسؤلى الدار فإلى جانب حالتها الصحية الصعبة، كانت أيضاً مصابة باضطراب نفسي وبدا ذلك عليها بمجرد أن وطأت قدماها الدار: "أول 48 ساعة كان التعامل معها صعب وشديد التعقيد، تصرخ بهستيرية، بتتكلم كتير بدون انقطاع لدرجة ان باقى النزيلات جالهم توتر وقلق، وبعد ما عملنا لها مجموعة اسعافات أولية عشان جروحها، بدأت تخف وتهدا شوية"، لكنها لم تكف عن عبارتها الشهيرة: "رجعونى الشارع.. انتم ماسكين فيا ليه".