علاقات و مجتمع

كتب: (وكالات) -

12:51 ص | الأربعاء 24 يوليو 2019

كفالة طفل

"كفالة الأطفال" أمر قد يحلم به الكثير من النساء اللاتي عدلن عن فكرة الزواج، أو تزوجن ولم يرزقهن الله أطفالا، أو تطلقن أو ترملن بلا إنجاب، وأغلبهن يخفن انتقادات الأهل والمجتمع المحيط، لكن "رشا" و"ماجدة" بذلتا أقصى جهدهما ليصلا لما يحلمان به.

لم تكن تحلم المصرية رشا فهمي، بتكوين أسرة أو بالزواج عندما اتخذت قرارا بكفالة طفلة رأتها في دار أيتام في القاهرة، إذ أنها تعلقت بها من المرة الأولى عندما كانت تبلغ الطفلة من العمر يوما واحدا.

يسمح القانون المصري للنساء بكفالة طفل دون زواج، لكن "رشا" وجدت نفسها أمام مجتمع غير متقبل الفكرة بشكل عام.

حتى الآن لا يعد نموذج الأسرة البديلة أمرا مألوفا، وفي ظل اعتقاد منتشر بين شريحة كبيرة من المجتمع بأن الدين الإسلامي يحرم التبني، إلى جانب آراء متداولة تحكم على التجربة بالفشل قبل بدايتها، مثل المثل الشعبي الشهير: "يا مربي في غير ولدك، يا باني في غير أرضك".

ورغم غياب إحصائيات رسمية لعدد الأيتام في مصر، تشير بعض التقارير إلى وجود 2 مليون طفل يتيم على الأقل، ونقلا عن الـ"بي بي سي" يقول محمد العقبي، مستشار وزيرة التضامن إن عدد الأيتام، الذين فقدوا الوالدين والموجودين بدور الرعاية يصل إلى 10 آلاف طفل، إلى جانب حوالي 12 ألف طفل آخرين يعيشون مع عائلات.

عقبات أمام عزباء لكفالة طفل

كانت "رشا" تبلغ من العمر 34 عاما، عندما رأت "حلا" للمرة الأولى واتخذت من وقتها قرار كفالتها: "أنا حبيتها، حسيت إني أنا مسؤولة عنها" .

لم يلق طلب "رشا" لكفالة "حلا" رضا عدد كبير من موظفي وزارة الشؤون الاجتماعية، فهناك من رفض طلبها لاعتقاده أن القانون لن يسمح لها بالكفالة من الأساس.

وعندما تقطعت بها السبل، لجأت لأحد معارفها الذي نظم لها مقابلة مع وكيل الوزارة، والذي صدق فورا على حقها في الكفالة، وأعطاها استثناءً جعلها تخوض التجربة رغم أن القانون في ذلك الوقت لم يكن يسمح للمرأة غير المتزوجة بذاك العمر أن تتكفل بطفل.

وأتمت رشا إجراءات الكفالة في غضون شهرين، لكن رحلتها لم تكن خالية من العقبات، ففي بداية مشوارها واجهتها مشكلة عدم الوعي الكافي، الذي يعاني منه موظفي الشؤون الاجتماعية والوزارة بالمادة رقم 89 من اللائحة التنفيذية لقانون الطفل.

وتنص المادة على أنه: "يجوز للأرامل والمطلقات ومن لم يسبق لهن الزواج وبلغن من العمر ما لا يقل عن 30 سنة كفالة الأطفال إذا ارتأت اللجنة العليا للأسر البديلة صلاحيتهن لذلك".

ويسمح قانون الطفل للمرأة بالكفالة داخل نظام الأسرة البديلة بشكل صريح منذ عام 2010، أما في عام 2016، فخفض سن المرأة المسموح لها بالكفالة من 45 عام إلى 30 عام.

أما دار الافتاء المصري فحرمت التبني، الذي تعرفه بـ "اتخاذ الشخص ولد غيره ابنا له"، ويقول إن قرار التحريم "يمنع الناس من تغيير الحقائق، ويصون حقوق الورثة من الضياع أو الانتقاص، ويحفظ من اختلاط الأجانب وخلوتهم ببعضٍ"، وذلك ووفقا لفتوى منشورة على موقع الدار.

ويستبدل التبني في الإسلام بالكفالة، والتي تشترط إعلان نسب الطفل إن عٌرف وإن لم يعرف وجب الجهر بأنه مجهول النسب، كما يحرم من حق الميراث الشرعي.

ويعني ذلك أن الطفل المكفول يجب أن يكون على دراية كاملة بأن أسرته البديلة ليست أسرته الحقيقية وبأنه غير مسموح له بأن يحمل اسم الأسرة بالكامل أو يكون وريثا شرعيا لها، كما يكون المجتمع بأكمله على علم بذلك، بينما في حالة التبني لا يوجد ما يلزم الأسرة المتبنيه بأن تعلم الطفل بحقيقة نسبه.

وكانت رشا محظوظة عن غيرها، فماجدة (اسم مستعار)، شابة ثلاثينية، أقبلت في شهر مارس الماضي على نفس الخطوة، بعد أن رأت أن الزواج ليس بالحل الأمثل لها، رغم أنها تحب أن تصبح أما.

وجدت ماجدة، على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، منشورا بخصوص طفل حديث الولادة وُجد في الشارع بعد أن هاجمه كلب، فنقل لمستشفى في القاهرة.

هرعت ماجدة إلى المستشفى، حيث زارت الطفل وقررت أن تكفله، ولكن بعد نقاشات عدة مع موظفي الوزارة، نصحها فيها البعض بالبعد عن الكفالة والاتجاه نحو الزواج، وواجهت ماجدة اللجنة العليا للأسر البديلة.

تقول ماجدة سألوني: "في حال تزوجت، ماذا تنوين فعله بالطفل؟" قلت لهم " إذا حدث وتزوجت، فسيكون شرطي الأساسي أن آخذ الطفل معي لأتابع تربيته".

وفي النهاية، رفضت اللجنة طلب ماجدة لكفالة الطفل لأنه "لم تتوفر لديها المعايير المطلوبة"، وعندما تتبعت حالته، علمت أنه أرسل إلى دار أيتام: "حرموني من فرصة أن أقدم له شيئا جيدا، وخاصة في سنوات عمره الأولى التي يحتاج فيها لحنان واهتمام".

تقنين الوزارة لهذه المسألة "أمر له أسبابه"

ويقول محمد العقبي، مستشار وزيرة التضامن، إن هناك شروطا تحدد ما إذا كانت المرأة غير المتزوجة قادرة على الكفالة، وتشمل هذه الشروط: حصولها على مؤهل علمي، ووجود مصدر ثابت للدخل عندها - وهذان الشرطان كانا متوافران لدى كل من رشا وماجدة.

ويرى بعض نشطاء حقوق الطفل أنّ تحفُظ الدولة على إعطاء نساء غير متزوجات حق التبني "أمر مبرر"؛ فبرأي بعضهم أن الحياة الأسرية "الصحية" للطفل يجب أن تشمل وجود أب وأم معا.

وتقول ياسمين الحجري، مساعدة رئيس مجلس إدارة جمعية "وطنية" المعنية بتطوير دور الأيتام: "يجب أخذ الوضع الحالي بالحسبان؛ فهناك عدد ليس بالقليل من نساء عزفن عن الزواج لكنهن على أتم الاستعداد لكفالة أيتام".

كما تشير إلى انتشار ظاهرة الطلاق في مصر بشكل كبير، مما جعل نمط الأم غير المتزوجة مألوف في المجتمع.

ورغم ذلك، تتفهم ياسمين الحجري مخاوف وزارة التضامن، التي شكلت لجنة تضم ممثلين عن وزارات الداخلية، والعدل، والصحة، والخارجية، وجمعيات أهلية كبرى، وخبراء اجتماعيين، لدراسة الطلبات، وسط وجود حالات من الأسر البديلة التي ترجع الأطفال للوزارة، خاصة عند البلوغ، مبررين ذلك بـ "شعور طاغ بأن الطفل بعدما كبُر أصبح غريبا عن العائلة".

"مختلة"

تحكي ماجدة عن الصدمة التي حلت بوالديها عندما صارحتهم برغبتها في الكفالة دون الزواج، كما رفضا اقتراح اللجنة بأن يتبنيا الطفل بالنيابة عنها كأسرة مكونة من زوجين: "عندما تحدثت مع أبي، اعتبرني مجنونة".

كما أن رشا لم تجد تأييدا من أمها، التي وافقت على دخول حلا إلى أسرتها على مضض وذلك عندما صممت رشا على قرارها وعرضت عليها أن تستأجر منزلا مع الطفلة إن لم ترغب الأم في استضافتهما، فوجود محل سكن باسم الكفيل أو فرد من أسرته من الدرجة الأولى شرط أساسي للكفالة: "انت بتتكلمي على مجتمع شرقي في الأول وفي الآخر، مجتمعنا مش متفتح أوي كده ولا أهلي".

وافقت الأم مضطرة على ضمان ابنتها عند الوزارة، وهو شرط آخر لإتمام الكفالة، كانت في بداية الأمر تسافر لمدة شهور تاركة المنزل كنوع من العقاب لرشا: "مع مرور الوقت وقعت الأم في حب حلا التي أصبحت مصدر "الفرحة" في المنزل".

أما عن المجتمع، فتلقت رشا تحذيرات من "وقوف حالها" في الزواج، كما اقتنع البعض ممن لا يعرفها جيداً بأنها أنجبت حلا خارج إطار الزواج و"اخترعت قصة التبني" لتتستر على ظروفها.

ولا تتوقف العقبات هنا، فتحكي رشا عن رحلة بحث طويلة خاضتها حتى تجد مدرسة دولية في القاهرة تقبل بتسجيل حلا، وفي المدرسة، تشرح حلا، ذات الـ 5 سنوات الآن، لمن يسألها أن والديها غير موجودين، وأن رشا أمها الثانية: "قرار كفالة حلا أفضل قرار اتخذته في حياتي، فمن دونها لكانت حياتي مليئة بالملل، وتكفي فرحة أمي بها وفخرها بابنتها".

أخبار قد تعجبك