امرأة قوية

هن سيدات مكافحات تشابهت ظروفهن فى قسوة الحياة، فدفعتهن فطرتهن الطبيعية لأعمال شاقة غير مألوفة على النعومة التى اتسمت بها المرأة، فوضعن بصماتهن المضيئة فى هذه المجالات يرفعن راية «المرأة نصف المجتمع»، فالمشهد بات مألوفاً إذا عملت المرأة كسائقة للشاحنات، أو التحقت للعمل بإحدى ورش تصليح السيارات وغيرها من الأعمال الصعبة.

مسافة يومية قرابة الـ6 كيلومترات تقطعها المرأة الأربعينية حنان عبداللطيف، ذهاباً وإياباً، فى مدينة العريش، على «التروسيكل» الخاص بها، لتحمل عليه الخضراوات وبيعها للزبائن، لتصبح المرأة الأولى التى امتهنت هذه المهنة فى مدينتها.

حنان هى أم لأربعة أبناء، بنتين وولدين، أكبرهم «فاطمة» فى الصف الأول الثانوى الأزهرى، وأصغرهم «منة الله» 5 سنوات، عانت من ظروف صعبة، عقب وفاة والدها ووالدتها حينما كان عمرها لا يتعدى الـ18 عاماً، فانتقلت من مدينتها المنيا إلى العريش، فتزوجت لكنها تعرضت للضرب المستمر والإهانة التى جعلتها تنفصل عن زوجها، وحينما اتخذت قرار الزواج للمرة الثانية، لم تدم الزيجة طويلاً حيث توفى الزوج بعد عام، فاتجهت إلى سوق الخضار، للعمل هناك، رحلة شاقة قطعتها المرأة الأربعينية، جعلتها تنتهى لشراء «تروسيكل» بالتقسيط، لتبيع الخضار عليه، وذلك بعدما حاولت الحصول على تصريح لإقامة «كشك» لكن دون جدوى، لذلك اتجهت لهذا الحل العملى، فظلت تشترى الخضراوات من السوق وتبيعها للزبائن، بواسطة الدراجة.

«بسمع التلسين من الشباب الصغير» مضايقات كثيرة تتعرض لها المرأة الأربعينية أثناء رحلتها الشاقة، لكن الأعباء التى تتحملها تجعلها تزيد الصبر بداخلها: «دروس العيال كتير.. مصاريف كتير لبس وأكل وشرب وكلها ضروريات.. الحمل بيزيد عليّا وديونى وصلت لأكتر من 10 آلاف جنيه ومش عارفة هسد منين»، وناشدت الرئيس عبدالفتاح السيسى الحصول على «كشك» صغير للعمل به، والإنفاق على أولادها فهى الأمنية البسيطة التى تريد تحقيقها «نفسى الرئيس يسمعنى ويمنحنى كشك صغير.. وهفضل أشتغل لحد ما أموت ومش همد إيدى لحد».

 

 

لم تختلف معاناة رانيا كثيراً، فهى أيضاً المرأة التى نزعت الخوف والقلق من داخلها، للعمل بصيانة أجهزة التكييف والتبريد، فالمهنة الصعبة والشاقة التى اقتصرت فى أغلبها على الرجال، اقتحمتها المرأة الأربعينية، ربما أتت البداية من معرفتها بتصليح أجهزتها المنزلية، لكنها قررت بعد ذلك الالتحاق بأكاديمية لتعليم أصول المهنة «كنت البنت الوحيدة اللى بتدرس فنيات تصليح الأجهزة الكهربائية». وبدأت «رانيا» فى العمل بهذه المهنة الشاقة لدى معارفها، نظراً لعدم قدرتها على شراء المعدات اللازمة التى تؤهلها للعمل وفتح ورشة خاصة بها «بشتغل فى محيط أصدقائى وأقاربى، لسه مش قادرة أفتح ورشة كاملة ليّا»، لم تسلم المرأة الأربعينية من المضايقات والانتقادات التى تلاحقها أثناء العمل «فيه ناس بتنقدنى وكمان ساعات بتعرض للتحرش اللفظى من بعض الرجال، وكمان ممكن يكونوا مش واثقين إنى أقدر أصلح الأجهزة، وساعات بقى الستات عندهم شعور بالغيرة وبيرفضوا إنى أروح أصلح عندهم الأجهزة».

شعور بالأمل بدأ ينمو بداخل المرأة الأربعينية من تكريم الرئيس عبدالفتاح السيسى للسيدات المكافحات، جعلها تشعر بالفخر من كونها امرأة اقتحمت هذا المجال، وزيادة الثقة بنفسها وإعطائها القوة لمواجهة ظروف الحياة الصعبة «الرئيس زود ثقتنا بنفسنا»، وتابعت «رانيا» أنه يجب إلغاء فكرة تهميش المرأة فى المجتمع وحصرها فى وظائف ومناصب إدارية «الست دلوقتى زيها زى أى رجل بيشتغل فى مهنة صعبة وقوية».

ربما تشابهت رانيا، سائقة الميكروباص بخط «المقطم - السيدة عائشة» مع سابقتها فى الاسم والظروف أيضاً، حيث قالت فى بداية حديثها «نفسى الرئيس السيسى يكافئنى بميكروباص جديد»، فهو الوسيلة التى تعتمد عليها المرأة الثلاثينية عقب انفصالها عن زوجها، والإنفاق على أطفالها الثلاثة.

«عربيتى قدمت قوى، ودى مصدر رزقى الوحيد، لو عطلت منى ولا سخنت مبلاقيش اللى يساعدنى أصلحها، ووقتها مش هيدخلى جنيه زيادة، وأنا بعول ولادى التلاتة» المعاناة اليومية التى باتت السائقة الثلاثينية تعيشها بشكل يومى «احنا ستات بنسوق كويس وبنتقى ربنا عشان نقدر نربى ولادنا، إيدينا مش بتترعش فى السواقة ومش بنتعاطى مخدرات، وأهم حاجة عندنا ندخل قرش لأولادنا». فيومياً تخرج «رانيا» صاحبة الـ33 عاماً، تحمل خوفها على صغارها وتجلس خلف عجلة القيادة، تقودها فى خط «المقطم - السيدة عائشة»، فى درجة حرارة تتجاوز الـ40 صيفاً، وربما تصل إلى أقل من 20 درجة شتاءً، تتحمل أفعال الركاب، ومضايقات السائقين بالموقف، وانفصلت «رانيا» عن زوجها منذ عامين، وترك لها بنتين وولداً تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات، فلم يلتزم الزوج بدفع النفقة أو واجباته، ومن هنا قررت «رانيا» أن تمنع عنه أولاده وتتكفل بهما وحدها، حسبما اتفقا، لتكون لهما خير أب وأم. لكن هناك أسباباً عديدة قد تحول دون وصول المرأة إلى بعض المهن التى لا تزال ترفع شعار «للرجال فقط»، رغم جهود الحكومة لتحقيق العدالة الاجتماعية، النائبة نادية هنرى بشارة، عضو مجلس النواب، أرجعت ذلك إلى وجود عدد كبير من العاملين فى الجهاز التنفيذى للدولة لديهم موروثات عنصرية ضد النساء، ومن ثم فهم يشكلون عائقاً ضد إحراز أهداف تحقيق المساواة والحد من العنصرية واستعادة الشخصية المصرية السوية، وقالت «بشارة»، التى أعلنت تبنيها لمشروع قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، إن القوانين الحالية تشكل تمييزاً عنصرياً ضد النساء، مشيرة إلى أنها أبوية وتخضع لموروثات ثقافية تنتهك المرأة، ما أدى إلى تشابك العلاقات بين الرجل والمرأة، وأضافت لـ«الوطن» أن استراتيجية الدولة الحالية تعمل على استعادة الشخصية المصرية ودورها وموقعها، وتابعت: «علينا مواجهة الموروث الثقافى الذى أدى إلى استبعاد المرأة عن دورها لتمكينها من التشريع والقانون فى استعادة مكانتها ودورها وعلاج المعوقات أمام استعادة دورها القيادى فى المجتمع، بعدما ساهمت القوانين فى تحديد إقامتها والتحكم للرجل فى أبسط حقوقها وهى الدخول والخروج من وإلى المنزل».

وقالت إن هناك فجوة فى التوافق بين رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى، الداعمة للمرأة والرافضة للتمييز والعنصرية وبين آليات تطبيق مكافحة العنف ضد المرأة، مشيرة إلى أن المجتمع بحاجة للعمل من خلال المؤسسات الأهلية بالتوازى مع إصلاح وتعديل القوانين لسد تلك الفجوة وإحراز أهداف استراتيجيات تمكين المرأة فى المجتمع.

وناشدت الرئيس وضع خطط استراتيجية واضحة أمام مؤسسات الدولة لتغيير الثقافات السائدة بالتوازى مع جهود الدولة فى الدعم الشامل للمرأة، وتحقيق الإرادة السياسية الشاملة لتحويلها إلى واقع على الأرض، بجانب وضع عقوبة قانونية صارمة للمتقاعسين عن تحرير وإثبات وقائع العنف ضد المرأة، خلال مشروع القانون الموحد لمكافحة العنف ضد المرأة.