علاقات و مجتمع

كتب: آية المليجى -

11:43 ص | الإثنين 03 أبريل 2017

المأذونة أمل سليمان

مكالمة هاتفية تلقتها من إحدى عائلات مدينة القنايات بمحافظة الشرقية، نتج عن زيارة اعتادت في البداية على أن تكون بداخل منزل الزوجية، قبل أن تؤسس مكتبها الخاص، تستقبل من ورائها أمل سليمان، أول امرأة تتقلد منصب المأذون في مصر، مهمة سعيدة تجمع بها بين شخصين في حياة جديدة، تجهز حقيبتها الملمة بدفاتر عقود القران.

ملابس محتشمة ترتديها تتشابه مع الكثير من نساء قريتها، ذاهبة إلى مكان العرس، فتارة تأتي إليها من تصطحبها من أقارب العروسين، وتارة تأخذ من زوجها ونيسا في مشوارها إذا كان مقصدها بعيدا، ومع دخولها قاعة المناسبات يعم الصمت على الجميع يعتدلون في جلستهم وبعلامات من الهيبة والورع يستقبل أصحاب الفرح "المأذونة أمل سليمان".

على أرض مدينة الزقازيق وبين أحضان أسرة متوسطة الحال نشأت تلك الفتاة الصغيرة التي سرعان ما أعجبت بزي ضابطات الشرطة راسمة في خيالها أن تنضم بين صفوفهن حينما يتقدم بها السن مثل أعمارهن، لكن يتغير مسارها وتحل كلية الحقوق محل حلم الطفولة، وعقب إنهاء دراستها لم يكن بوسعها أن تلتحق بساحات القضاء مرتدية زي المحاماة، حيث كان منزل الزوجية في انتظارها. 

انتقلت العروس إلى مدينة القنايات، حيث مسكن الزوجية الذي أسست أركانه على المودة والرحمة التي تجسدت في مساعدة الزوج لحصولها على درجة الماجستير.  

محاولات كثيرة أجرتها سليمان ساعية في الحصول على وظيفة مناسبة باءت جميعها بالفشل، إلى أن غيَّب الموت مأذون القرية، وهو نفسه عم زوجها الذي عقد قرانهما في وقت سابق، ليرى الزوج الحنون أنها الوظيفة الأنسب لزوجته، عارضا عليها تلك الفكرة: "في الأول خدت الموضوع بهزار، متخيلتش إني أحل محل المأذون اللي كتب كتابي". 

دراستها لكلية الحقوق كانت بمثابة المصباح الذي رأت من خلاله أن المأذون هو شخص يوثق عقود الزواج، وبدعم من زوجها تخمرت الفكرة في رأسها ضاربة بكل العادات والتقاليد عرض الحائط، ذاهبة إلى محكمة الأسرة لتقدم أوراق الالتحاق بالوظيفة "في الأول أخويا كان معترض عشان المجتمع، لكن والدي وجوزي كانوا موافقين".

شروط كثيرة استطاعت سليمان تجاوزها منها موافقة 20 رجلا على ترشحها، فضلا عن شهادة حسن سير وسلوك "جوزي نجح في جمع التوقيعات"، وفي منافسة شرسة وقفت أمام 12 رجلا متحالفين ضد ترشح امرأة على ذلك المنصب "كلهم كاتبوا في حافظة المستندات، يجب استبعاد المرشحة الأخيرة لأنها امرأة". 

أربع جلسات متتالية كانت هي اللحظات الأصعب في حياة السيدة الوحيدة المرشحة لمنصب المأذون داخل محكمة الأسرة ليعرف كل منهم نفسه أمام القاضي، ليسدل بحكمه الستار معلنا تولي أول امرأة منصب المأذون عام 2007 "ساعتها حسيت بسعادة ونصر متتوصفش".

"دفاتر الأحوال الشخصية" أول ما تسلمته "سليمان" عقب توليها منصب المأذون من محكمة الأسرة، ولم تتوقع السيدة الأربعينية أن يكون أول عقد قران لها لصحفيين حملا إليها الشهرة على طبق من ذهب، ووسط تجمع إعلامي وشعبي دخلت المأذونة قاعة المناسبات بأحد المساجد الكبرى لمدينة القنايات بالشرقية "مكنتش مضطربة ودعيت ربنا يثبت لساني وأقدر أقول الخطبة بشكل لائق".   

لم تتعرض المأذونة الأربعينية لأي موقف محرج من قبيل رفض بعض العرسان لعقد قرانهما بواسطتها، قراءة الفاتحة وأدعية الزواج البداية التي تنطلق من خلالها "سليمان" في مجلسها، ثم تبدأ بعقد القران بالصيغة الشرعية المتعارف عليها، وتستكمل مهمتها ذاهبة لمحكمة الأسرة لمراجعة العقود وتوثيقها، وتسليمها للعروسين.  

300 عقد زواج هي محصلة عقود القران التي من الممكن أن تعقدها "المأذونة" خلال عام، كانت دموع الآباء لحظة عقد القران صاحبة الأثر العظيم في قلبها لتخرج "سليمان" من عباءة المهنة وتتغلب عليها مشاعر المرأة "ممكن أعيط معاهم".    

عقود الطلاق كان لها حكايات مع المأذونة سليمان، حيث تحاول مرارا الإصلاح بين الزوجين، وكثيرا ما نجحت في التوفيق بينهما بنسبة تصل إلى 40 % من حالات الطلاق التي صادفتها.

عملها كمأذونة وقضاؤها وقتا طويلا بين المحاكم لتوثيق العقود، لم ينسها دورها كزوجة وأم لأربعة أولاد، أكسبتهم شهرة بين أبناء المدينة فحينما يمشون في الشوارع يطلق عليهم البعض "أولاد المأذونة"، غير أن الأم تعجز عن عقد قران هؤلاء الأبناء بأمر القانون، الذي يمنع ذلك.

ضغط العمل جعلها تبتعد قليلا عن هواياتها المفضلة "بعرف أرسم كويس، وبحب أعمل الكوروشيه، ولما بشوف مفرش جميل بعمله".  

الكلمات الدالة

أخبار قد تعجبك