رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

حوار.. "قاضية الصعيد" صاحبة مبادرة درع التسامح: أنهيت 220 خصومة ثأرية

كتب: ماهر هنداوي -

06:01 ص | الثلاثاء 22 سبتمبر 2020

بنت الصعيد صفاء عسران

أطلق عليها أهل الصعيد ألقابا متعددة، منها "بنت الصعيد، بنت بألف راجل، قاضية الصعيد"، على الرغم من أن عمرها لم يتجاوز العقد الثالث، إلا أنها سلكت طريقا وعرا وخطرا، بعيدا كل البعد عن عادات وتقاليد بنات ونساء الصعيد، من أقرانها.. صفاء عسران بنت محافظة قنا، وخريجة قسم العلاقات العامة بكلية الإعلام، دفعة 2016، والتي استطاعت أن تلفت الأنظار إليها، عن طريق تبنيها قضية إنهاء الخصومات الثأرية بين كبرى العائلات في محافظات الصعيد، فأطلقت مبادرة متفردة شعارها "صعيد بلا ثأر".

عسران أنقذت أرواح العشرات من أبناء الصعيد من الإزهاق والقتل بسبب الثأر

وكانت المفاجأة أن حققت الفتاة العشرينية، نجاحات كبيرة ومبهرة في إنهاء أكثر من 220 خصومة ثأرية، حقنت على إثرها سفك الدماء، وأنقذت أرواح العشرات من أبناء الصعيد من الإزهاق والقتل بسبب الثأر.

المثير أن مبادرة فتاة الصعيد بالصلح وإنهاء خصومات الثأر صفاء عسران، تمت كلها بطرق شرعية، وقانونية، لأنها كانت جميعها تحت رعاية مديري الأمن والقيادات الأمنية بالصعيد، والتي رحبت بفكرة الفتاة الصعيدية، غير التقليدية، ولاقت مساندة ودعما غير محدود من القيادات الأمنية، بكل محافظات الوجه القبلي التي ذهبت إليها الفتاة لإتمام مهمتها التطوعية التي وهبت وقتها وسخرت كل حياتها وجهودها لأجل هذه المهمة السامية، وكان الأكثر إثارة أن دوت أصداء نجاحات مبادرة صفاء عسران، حتى وصلت إلى مكتب الدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، والذي طلب على الفور لقاء الفتاة، وتقديم كافة أنواع الدعم لها، ورعايتها بتوجيهات من الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد أن أخبره وزير الشباب والرياضة بفكرة الفتاة، ومبادرتها الفريدة وغير المسبوقة بين بنات جنسها على مدار تاريخ حياة النساء في الصعيد.

أنا مغرمة بالعمل التطوعي.. وجيناتي الوراثية ساعدتني كثيرا في إنهاء الخصومات بنجاح 

"الوطن" نجحت في الوصول إلى فتاة الصعيد، حاقنة دماء الصعايدة، وإجراء حوار حصري معها لترد على كثير من التساؤلات المثيرة في السطور التالية: 

* ما الذي وجهك للسير في هذا الطريق هل الصدفة أم شيء آخر؟

منذ صغري وأنا مغرمة بالعمل التطوعي، في المدرسة والجامعة، وجيناتي الوراثية كلها تتجه للتفاعل الإيجابي مع مجريات الحياة، وهذا ظهر بوضوح عندما تخرجت في كلية الإعلام، قسم العلاقات العامة، وأردت أعمل صحفية، وكان أول تكليف لي أن أقوم بتغطية حدث صلح خصومة ثأرية بين عائلتين قنا، استمرت ما يقرب من 8 سنوات فشل في إنهائها كل عمداء القرى والنجوع الذين استعانت بهم مديريات الأمن للتوصل إلى صلح، ومن يومها وأنا صممت أن أتدخل بنفسي، بين أطراف العائلتين.

الدراسة الجيدة لظروف القتل ومشاكل أطراف الخصومة أهم أسباب إنهائها سريعا

* وهل نجحت في هذه التجربة الأولى لك؟

وفقني الله، بعد دراسة كل جوانب الخصومة، إلى أن استطعت أن أمسك ببعض خيوط الحل التي وفقني الله إليها، ورزقني حسن الإلقاء والإقناع، وتنقلت بين الطرفين بكل وسائل الإقناع، وكانت المفاجأة لي أنني وجدت قبولا من معظم أفراد العائلتين، فضغطت على كل الدوافع الإنسانية عند كبار العائلتين ومن لهم الصوت المسموع والرأي الأول والأخير، ولاقت كل اقتراحاتي للصلح استحسان الطرفين، وتم الصلح تحت رعاية اللواء مجدي القاضي مدير أمن قنا، قبل ترقيته إلى مساعد وزير الداخلية لأمن منطقة جنوب الصعيد. 

 

درع التسامح لصاحب الدم والقلادة الفضية كلمة السر في إقناع الطرفين بقبول الصلح 

*وكيف استطعتي أن تقنعي القاتل، أو المُدان أن يقدم كفنه لصاحب الدم، رغم أن كثيرا من أهل الصعيد يرفضون ذلك؟

كانت هذه النقطة هي مربط الفرس، وكلمة السر الذي هداني الله للوصول إليها، حيث فكرت في الطريقة البديلة لحمل الكفن الذي  يعتبره المجتمع الصعيد تحقيرا من شأن القاتل وينظر له الناس هناك نظره دونية ولذلك فكرت بدلا من حمل الكفن أن نحمل درعا رمزية لأهل القتيل وصاحب الدم، أطلقت عليها درع التسامح، ولما التقيت الدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، في إحدى مسابقات الشباب، وكنت إحدى المشتركات فيها، وعرضت عليه الفكرة، ورحب بها كثيرا وقرر دعم الوزارة لي ومساندته الشخصية، وتم الاتفاق على عمل دروع مكتوب عليها محفور عليها شعار "درع التسامح.. من شيم الرجال برعاية وزير الشباب والرياضة" وعليه توقيع الوزير،  ولاقت الفكرة قبولا كبيرا لدى صاحب الدم وأهل القتيل، وكذلك لم أنسَ أم القتيل المجروحة، بعد قتل ابنها، ففكرت في تسليمها هي الأخرى قلادة فضية أطلقت عليها قلادة التسامح الفضية  تقديرا لها وتخفيفا لآلامها.

* وهل كان للدرع والقلادة أثرا ملموسا؟

بالطبع، بل أؤكد لك أن فكرة الدرع والقلادة، كانت الأساس بعد توفيق الله في إتمام و نجاح الصلح في الخصومات الثأرية.

* كيف تعرفين بوجود خصومة ثأرية؟ وهل أنتِ من تبادرين بالتدخل؟

في بداية الأمر وقبل أن تعرفني عائلات الصعيد، كنت أعلم بالخصومات من خلال وسائل الإعلام، أو من بعض القيادات الأمينة، باعتباري إعلامية أو صحفية، لكن بعد نجاحي في إنهاء خصومات كثيرة، أصبح الكثيرون يسمعون عني ويقومن بالاتصال بي، وأحيانا أخرى أتلقى اتصالات من أهل الخير يطلبونني التدخل لإنهاء هذه الخصومات. 

*إلى أي مدى كان نجاح مبادرتك في انهاء الخصومات الثأرية؟

الحمد لله، حتى الآن وعلى مدار 9 سنوات منذ بداية قيامي بمهمة إصلاح ذات البين، نجحت في إنهاء 70 % من الخصومات التي تدخلت فيها.

 

*وكم حالة تحديدا أنهيتِ فيها الخصومة الثأرية بسلام وبشكل تام؟

220 حالة، وفقني الله في إنهائها، بجهود مشتركة وبدعم لا محدود من جميع مساعدي وزير الداخلية مديري الأمن، والقيادات الأمنية، بمحافظات الوجه القبلي.

*هل فكرتِ في نقل التجربة لمحافظات أخرى في الوجه البحري بعيدا عن الصعيد؟

بالطبع فكرت، لكن للأسف لم أبدأ حتى الآن، ولكن كان هناك حالة وحيدة في محافظة المنوفية تدخلت فيها لكنها فشلت.

هذه أسباب فشل الخصومة الوحيدة التي تدخلت لإنهائها في الوجه البحري

*لماذا فشلت هذه الحالة؟

لأن أهل القاتل والقتيل رفضوا إمدادي بالمعلومات الكافية، التي تساعدني وأستطيع عن طريقها أن أصل إلى حلول. 

 * ما أصعب موقف تعرضت له بنت الصعيد فى إنهاء خصومة الثأر؟

عندما كنت أنهي ثأرا في إحدى قرى محافظة المنيا ووصلت مديرية الأمن في وقت متأخر من الليل، وقمنا بإنهاء محاضر الصلح في قسم شرطة المنيا، في تمام  الساعة حوالى 12 منتصف الليل، وكنت بمفردي، وبيني وبين مسقط رأسي في قنا  أكثر من 7 ساعات، وحاول أهالي الطرفين إقناعي بالمبيت في المنيا، لكنني صممت على السفر والعودة إلى أسرتي، فأصر القاتل وأحد أهالي القتيل على توصيلي إلى محطة القطار، وكان مصدر قلقي الوحيد ليس تأخري عن أهل بيتي وأسرتي، لأنهم اعتادوا على ذلك، لكن قلقي كان بسبب خوفي، أن يحدث الشيطان الفتنة بين الطرفين وينشب بينهما ما لا يحمد عقباه، بعد إنهاء مهمة سفري وتوصيلي للمحطة، لأنه كان من الواجب في حالات الصلح في الخصومة الثأرية ألا يلتقي الطرفان القاتل وأهل القتيل إلا بعد فترة زمنية من الصلح حتى تهدأ النفوس بينهما تماما.

*هل وجدتِ الدعم الكافي من القيادات الأمنية؟

وجدت كل الدعم المادي والمعنوي، وعلى رأس الداعمين اللواء طيار أشرف الداوودى محافظ قنا، وكل القيادات الأمنية ومنهم اللواء مجدى القاضى مساعد وزير الداخلية لأمن منطقة جنوب الصعيد.

* لماذا تحديدا وزارة الشباب هي من تبنت رعاية مبادرتك لإنهاء خصومات الثأر؟

لأنها وزارة الشباب والرياضة، التي تهتم بالشباب ومبادراتهم المجتمعية، فضلا عن الاهتمام الشخصي والرسمي الذي حباني به الدكتور أشرف صبحي، عندما علم بهذه المبادرة، والذي بدوره قام بعرض فيديو لي أثناء قيامي بإنهاء إحدى الخصومات على الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث أبلغني بذلك وأبلغني بأن الرئيس السيسي أبدى إعجابه كثيرا بالفكرة والأسلوب.

* هل لك أمنيات تتمنين تحقيقها؟

أتمنى لقاء الرئيس السيسي، لأنتهز الفرصة وأطلق مبادرة صعيد بلا ثأر تحت رعاية الرئيس.