رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

"تسنيم" تعافت والدتها من كورونا ليلة الامتحان فحصدت 93% بالثانوية العامة

كتب: سمر صالح -

05:55 ص | الخميس 06 أغسطس 2020

صورة تعبيرية للأم وابنتها

محنة تحولت إلى منحة، عرفت فيها المراهقة الصغيرة مصدر قوتها، تخلت قليلا عن حياة الترف التي اعتادت عليها في كنف والدتها التي جعلتها فتاتها المدللة، حولت "تسنيم" غرفتها إلى معسكر مغلق ممتلئ بالكتب والأوراق المتناثرة يمينًا ويسارًا، استعدادًا لانطلاق ماراثون الثانوية العامة.

بدأ العد التنازلي للتجربة التي تفصلها بخطوات قليلة عن حلم الالتحاق بكلية الألسن، فعزمت النية على أن تسعد والدها المريض ووالدتها التي تواجه الوباء في مستشفى العزل، ضمن أفراد الجيش الأبيض، منذ مارس الماضي.

ومع اعتماد الوزارة جدول الامتحانات، واستعداد "تسنيم" للمواجهة، صفعها خبر إصابة والدتها بفيروس كورونا، فانقلبت الدنيا رأسًَا على عقب، وباتت محاصرة بين رُحى الخوف عليها، ومواجهة رهبة الثانوية العامة بمفردها، لا تريد خسارة جهد عام كامل، ولا تقوى على تحمل أعباء البيت بمفردها: "حاولت أعمل اللي عليا ومكنتش بقصر عشان أفرح أمي وأبويا رغم الضغط النفسي اللي عشته لخوفي على أمي"، تقول طالبة الشعبة الأدبي في بداية حديثها لـ"الوطن".

بعد يوم شاق من العمل في مستشفى الساحل بمنطقة شبرا، قبل أن تتحول إلى مستشفى لاستقبال مصابي كورونا، داهم جسد الأم صابرين سيد، الممرضة بقسم النساء والتوليد بالمستشفى، أعراض الفيروس، شعرت بآلام بالجسم، وارتفعت درجة حرارتها، ولم تتوقع أن سبب ذلك إصابتها بكورونا لعدم تعاملها مع حالات إيجابية، لكن ومن أجل الاحتياط، عزلت نفسها في غرفة بالمنزل.

تناولت الأم، المسكنات وأدوية خافضة للحرارة، ولكن دون جدوى، حتى اشتد عليها التعب وبادرت بالاتصال على الرقم (105) المخصص من وزارة الصحة، للإبلاغ عن حالات الإصابات بالفيروس المستجد: "عملت المسحة وطلعت النتيجة إيجابية، ومن وقتها باخد العلاج وملتزمة بالعزل المنزلي"، تقول الممرضة صابرين، لـ"الوطن".

صابرين: اكتشفت إصابتي بكورونا في 7 مايو وساءت حالتي مع العلاج المنزلي ونُقلت للمستشفى

بعد نحو أسبوع من العزل المنزلي، وتناول أدوية بروتوكول وزارة الصحة، المخصص لعلاج مصابي كورونا، ساءت حالة الممرضة البالغة من العمر 49 عامًا، تحاملت على نفسها وكتمت أنين التعب مرات عديدة حتى لا تشعر ابنتها تسنيم، بارتباك يؤثر في مذاكرتها واستعدادها لامتحانات الثانوية العامة، غير أن طاقة الأم لم تحتمل الصمت أكثر من ذلك: "ابني الكبير متجوز وعايش في بيت تاني، كلمته قولتله التعب بيزيد عليا، وبدأنا نتواصل مع رقم (105) تاني عشان اتحجز في مستشفى".

لم يكن أمام طالبة الشعبة الأدبية، إلا الصمود وإظهار القوة أمام والدتها، تسترق من وقتها الممتلئ بالمهام الكثيرة وحصص المراجعات اليومية عبر الإنترنت مع مُعلميها، دقائق لتطمئن على أمها المعزولة، وتضع لها الطعام وتتواصل معها عبر الإنترنت من غرفتها طوال اليوم، بينما انشغل أخوتها بالتواصل مع الرقم (105) والمعارف من حولهم لإيجاد مستشفى في أقرب وقت، حتى جاءتهم مكالمة هاتفية تخبرهم بإمكانية حجزها بمستشفى النجيلة بمحافظة مرسى مطروح: "المكان كان بعيد أوي، وخوفت أروح وأبعد عن ولادي، وبنتي اللي داخله على امتحانات ثانوية عامة، وعايزة أكون قريبة منها"، بحسب وصف الأم.

بعد عدة أيام، حٌجزت صابرين، في مستشفى التأمين الصحي بمدينة نصر، لتتلقى العلاج اللازم هناك، بعد أن فشل العزل المنزلي معها، لم تتحسن حالتها بسرعة، قضت 20 يومًا تعاني من ضيق في التنفس، ما أجبر الأطباء على وضعها تحت جهاز التنفس الصناعي، مرت خلالها الساعات بطيئة وموحشة على الأبناء الثلاثة، خاصة طالبة الثانوية العامة التي اعتادت تلقي الدعم المعنوي من والدتها كل ليلة امتحان، تحضر لها الطعام والعصير إلى غرفتها، غير أن "أخوتها كانوا بيحاولوا يطمنوها، وبيجيبوا لها الملازم عشان متنزلش من البيت، وتركز في مذاكرتها".

الأم تدعم ابنتها من مستشفى العزل خلال الامتحانات

رغم تشديد الأطباء على ممرضة مستشفى الساحل بشبرا، بتقليل الكلام الذي يضر بجهازها التنفسي، إلا أن عاطفة الأم غلبت آلام كورونا، لم تترك يومًا يمر خلال فترة علاجها التي امتدت نحو 28 يومًا، إلا واطمأنت فيه على أسرتها وتابعت ابنتها تسنيم، بل وأخفت عليها أوجاعها ودعمتها نفسيًا، الأمر نفسه حرصت عليه طالبة الشعبة الأدبية: "كانت طول الوقت تقولي متقلقيش عليا يا ماما، أنا كويسة، وبذاكر كويس".

بعد رحلة علاج طويلة وليال مرت ساعاتها كالدهر على أسرة صابرين، شاء القدر أن يسمح لها الأطباء بالخروج ليلة امتحانات الثانوية العامة، لينبض قلب ابنتها تسنيم، فرحًا بعودتها إلى البيت، بعد أن انتصرت على فيروس كورونا المستجد.

أغدقت "صابرين" في ليلة الامتحان الأول، على ابنتها بكل مشاعر الحب التي طمأنتها وشدت من أزرها، وفور إعلان انتهاء الامتحان اتصلت بها: "أول ما خرجت من اللجنة كلمتها عشان اطمن عليها، والحمدلله كانت مبسوطة، وعدى اليوم الأول على خير رغم صعوبة الفترة الأخيرة"، بحسب رواية الأم المتعافية.

بالأمس جاءت نتيجة الثانوية العامة كنسمة هواء لطيفة داعبت قلب الأم وابنتها بعد أن حصلت على 93.5%، فرحة التفوق الذي يقربها من حلم كلية الألسن، وزالت معها آثار المعاناة والقلق خلال فترة الامتحان: "ربنا عوضنا عن تعبنا واستجاب لدعواتنا"، بحسب تعبير الأم.