ماما

كتب: آية المليجى -

11:39 م | الجمعة 22 نوفمبر 2019

علي بصحبة والدته

فرحة سكنت بقلب السيدة الثلاثينية فريدة أكرم، احتفالًا بمجيء صغيرها، الذي أسمته "علي"، لكن شعور بعدم الاطمئنان كان يراودها من وقت لآخر، فظلت تلقي نظرات متفحصة على جسد رضيعها، وسط أحاديث حملت الطمأنينة ممن حولها، بأن طفلها سليم لم يصبه مكروه، لكن القلق بدأ يعرف طريقه إليها، فالرضيع كان يفضل العيش في عالم آخر، فشعاع الضوء هو أكثر ما يلفت انتباهه، رحلة تخللتها محطات من الخوف واليأس وقليل من الأمل أجرتها الأم الثلاثينية حتى علمت بأن طفلها مولود بانعدام تلافيف الدماغ، مرض نادر يلازمه طيلة حياته.

مولود بمرض نادر

يوم مؤلم لازالت تتذكره "فريدة" تفاصيله المرهقة التي عشتها داخل إحدى العيادات الكبرى للمخ والأعصاب، لإجراء الأشعة اللازمة على طفلها ذو الأشهر الأولى من عمره، وسط حالة من الحزن والتعجب المرسوم على وجه الطبيبة، فالوضع يبدو غير آمان على حياة الرضيع، الذي أجرى أشعة الرنين المغناطيسي، وعرف الصيام حسب تعليمات الأطباء، لحظات من الأمل عاشتها الأسرة مع اقتراب النتيجة التي حملت الصاعقة، فـ"علي" مولود بمرض نادر، يصيب طفل من كل مليون طفل، حاولت الأم تماسك نفسها وظلت تبحث عن المرض عبر شبكات الإنترنت، لتدرك بأن أصحاب انعدام تلافيف الدماغ، يفارقون الحياة قبل عامهم الثالث، بحسب حديثها.

جولة بين المراكز الطبية المختصة والسفر إلى الدول الأوروبية محاولات أجرتها "فريدة" برفقة طفلها على أمل بإيجاد علاج يساعد في تقدم حالته، لكن دون فائدة، فالمرض النادر أبدل التعاريج الطبيعية التي تغطي المخ لرأس أملس، وجعل حجم الرأس أصغر عن الحالة الطبيعية، تلازمه التشنجات ونوبات الصرع، فضلًا عن التأخر الذهني، وهو ما أكدته أيضًا الدكتورة سميرة إسماعيل، أستاذ الوراثة الإكلينيكية بالمركز القومي للبحوث، موضحة بأنه لا يوجد علاج لهذا المرض، وأن ما يحدث هو الأدوية المسيطرة على نوبات الصرع وجلسات العلاج الطبيعي اللازمة لعضلات الجسم.

تملك الإحباط والاكتئاب الأم الثلاثينية، فلا رغبة في حياة جديدة، ولا شيء يشغلها سوى مراعاة طفلها الملائكي، الذي زرع بداخلها حب خاص تجاه، اصطحبته لجلسات العلاج الطبيعي والتردد على جلسات تنمية المهارات، وبين صفوف الأطفال في جلسات التخاطب ألحقت به، لكن سرعان ما توقفت عنها، فـ"علي" لم يمتلك القدرة على الكلام، ولا شيء يقوى عليه سوى استجابات بسيطة يصدرها من فترة لأخرى، تارة ينتبه لصوت الموسيقى، وتارة أخرى يحرك رأسه عند الاستماع لصوت الآذان، ربما تكون وسيلته في الثناء لله: "كانوا بيقولولي ابنك هيموت ومش هيكمل سنة.. وهو دلوقتي بقى عند 9 سنوات".

ظلت الأمور على هذا النحو بين المعاناة والإصرار على مساندة صغيرها، حتى أحدث الله أمرا، وحملت "فريدة" بين أحشائها في طفلها الثاني، الذي زاد من فرحتها غير خائفة بأن يصيبه المرض النادر، أجرت أشعة الرنين المغناطيسي، للاطمئنان على صحة الجنين، رافضة إجهاضه إذا كان مصابا بشيء: "مكنتش هنزله حتى لو كان عنده المرض.. دا قضاء ربنا"، مرت أشهر الحمل بسلام حتى أنجبت طفلها الثاني سليم معافي لا شيء أصابه، ومن ورائه وضعت طفلتها الثالثة.

الأم: علي بيفرح لما بيشوف أخواته قدامه

تزايدت الفرحة داخل منزل الأم الثلاثينية، فالطفل الملائكي ينتبه لشقاوة أشقائه ينظر إليهم وكأنه يحدثهم: "علي بيفرح لما بيشوف أخواته قدامه.. وهما كمان عارفين أنه أخوهم الكبير وبيساعدوني في التعامل معه".

تسعد الأم الثلاثينية بصحبة طفلها "علي" لمقر عملها، حيث تدير مجموعة من الحضانات التعليمية الخاصة للأطفال، تجلسه بجوارها، وتفتح أبوابها للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، ومن وحي معاناتها مع التنمر ضد طفلها، نظمت ورش خاصة للأطفال لمحاربة مظاهر العنف التي تلاحقهم، كما نظمت جلسات الإرشاد الأسري لأهالي الأطفال: "قلبي بيتكسر لما بشوف طفل يتعرض للتنمر.. وإحنا بنتعلق بقشاية لو هتنقذ أطفالنا وتساعدهم".

أخبار قد تعجبك