أخبار تهمك

كتب: الوطن -

02:20 ص | الإثنين 23 سبتمبر 2019

أطفال مجهولى النسب

ربما كانت لحظات من المتعة المسروقة، أو نتيجة لزيجة طرفاها غير مسؤولين عن نتائجهما، فغياب الضمير، وانعدام الإنسانية، لم ينتج عنهما سوى أطفال مجهولي النسب، دون سند، معدومي الهوية، لم يجدوا من يحنوا عليهم.

فالشوارع مأواهم، ودار الرعاية أقصى مكان يُمكن الوصول له، لا حق لهم في إثبات هويتهم، ولا حق لهم في التعليم أو الصحة، أو حتى نظرة إنسانية تجاههم.

فلعنة تصرف آبائهم تظل شبحًا يطاردهم طيلة حياتهم، في أمر لا حول لهم ولا قوة تجاهه.

القضاء الإداري يبث شعاع أمل لمجهولي النسب

 أصدرت محكمة القضاء الإداري، مؤخرا، حكما يقضى بأحقية هؤلاء الأطفال في استخراج شهادة ميلاد مؤقتة، بأسماء وهمية للأم والأب، بشرط ألا يكون اسم الوالد والجد متشابهاً مع الأسماء المقيدة بقاعدة بيانات المواطنين بوزارة الداخلية، وإلزام الجهة الإدارية المدَّعى عليها بأن تؤدى إليها تعويضا عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابتها جراء عدم إثبات طفلتها.

وإلزام السجل المدني بإثبات ذلك في سجلاته، ما يمنحهم حق التأمين الصحي والدراسة على غرار الأطفال الشرعيين، دون كتابة ما يشير إلى كونهم لُقطاء، منعا للتمييز ضدهم، أو وصمهم في المجتمع، ومطاردتهم بنظرات دونية.

فبحسب التقديرات، فإن ما يقرب من 82% من أطفال دور الأيتام في مصر مجهولي النسب، لكنهم يحصلون على حقوقهم كاملة، مثل الإقامة في المؤسسات الرعوية، وتحرير شهادات ميلاد بأسماء وهمية، وتقديم أوراقهم للمدارس بشكل طبيعي، وعدم حرمانهم من كل امتيازات الأطفال الشرعيين.

حقوقيون: الحكم القضائي يحمي الأطفال من الوصمة

صدق العديد من الحقوقيين على أن حكم القضاء الإداري، المذكور أعلاه، موجود بالفعل في المادة 12 للقانون المصري للطفل الصادر في 1996، حيث أقر بأحقية استخراج وثيقة رسمية للطفل تُثبت وجوده، مشيرين إلى أن الأحوال المدنية كانت تشترط وجود وثيقة تثبت نسب الطفل قبل الاستخراج، ما يعيق تنفيذ الحكم على أرض الواقع، ويضاعف من ظاهرة أطفال الشوارع.

وعلى هذا الجانب أكد المحامي أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل، إن حكم القضاء الإداري «حكم كاشف لحق وليس مُنشئاً لحق»، موضحًا الفرق بين الحُكمين، فالأول يصدر تنفيذاً لقانون صادر بالفعل، أما الثاني فيصدر للمرة الأولى، إذ نص القانون المصري للطفل في المادة 12 عام 1996، على أحقية كل طفل في استخراج وثيقة رسمية تثبت وجوده (شهادة ميلاد) أياً كانت ظروف ولادته، فيما نصت اللائحة التنفيذية التي صدرت عام 2010، على أنه فى حالة وجود أم لديها طفل بلا أب شرعى، يُكتب الطفل باسم والدته، ويسجل باسم أب افتراضي لحين إثبات نسبه».

مشيرًا إلى أن القانون المصري للطفل في عام 2016، ألغى مصطلحَي «طفل سفاح» و«طفل شوارع»، ليسموا «طفل يتيم».

وأوضح «مصيلحى» أن أسوأ الحالات التي تُمنع فيها الأم من كتابة اسمها في شهادة ميلاد الطفل، هي حالة تعدى الأب على ابنته وإنجابه منها، وبالتالي يُسجل الطفل باسم أب وأم وهميين، وتتلخص الإجراءات في هذه الحالة، بتسجيل الأحوال المدنية للطفل بأسماء والدين وهميين لإثبات وجوده.

واختتم "مصيلحي" حديثه قائلًا: «المشكلة إن الأحكام لا تُطبق، والأحوال المدنية ترفض تسجيل الأطفال دون عقد زواج يثبت نسبهم، ما يزيد من معدل وجود أطفال بلا نسب».

من جهته، يقول هاني هلال، رئيس الائتلاف المصري لحقوق الطفل، إن هذا القرار صدر حاليًا لزيادة أعداد قضايا إثبات النسب بالمحاكم، والتي وصلت لـ21 ألف.

وأضاف: «الحل الوحيد لإثبات النسب يكمن فى تحليل الـDNA، ولكن ارتفاع تكلفته تقف عقبة أمام الكثيرين »، لافتاً إلى أنه كان من المفترض عند تعديل قانون الطفل عام 2008، وخاصة المادة المرتبطة بشأن تحليل الـDNA، وجعلها على نفقة الدولة لغير القادرين.

وأردف «هلال»: «يجب تخصيص مكاتب صحة داخل كل منطقة تتكفل باستخراج شهادات الميلاد، ويُكتب في خانة الأب اسم عشوائي كغيره من الأطفال مجهولي النسب ».

وعن «شهادات الميلاد المؤقتة»، أوضح «هلال» أنها تُعطى للطفل حق إثبات الميلاد فقط، أي أنه في حالة وجود تشابه بين اسم الأب الوهمي ورجل آخر، فليس للطفل الحق في ميراث هذا الرجل أو إثبات نسبه به، قائلًا: «السجل المدني هو اللي بيختار الاسم الوهمي، وبيكونوا حريصين على اختيار اسم مختلف، ومش متعارف عليه بين الأسماء لمنع الاختلاط أو التشابه».

من جانبها، قالت ميرفت أبوتيج، رئيس جمعية أمى للحقوق والتنمية: «الحكم منع أي تمييز بين الأطفال التي جاءت بطريقة شرعية أو غير شرعية».

موضحة أن شهادة الميلاد التي تُستخرج بدون اسم حقيقي للأب، تتضمن بداخلها «كوداً» خاصاً بحيث لا يمكن لأحد التفريق بينها وبين شهادة الطفل الطبيعي، سوى الجهات الرسمية فقط، بجانب شمولها لجميع الصلاحيات التي يتمتع بها الطفل الشرعي.

مراحل اختيار وتوثيق أسماء للأطفال مجهولة النسب

تساؤلات عٍدة أُثيرت حول آلية تنفيذ القانون، وطريقة اختيار الأسماء للأطفال مجهولي النسب، فضلاً عن توقيت سريان وانتهاء الشهادات المؤقتة.

يقول اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إنه لا يجوز تعميم قرار محكمة القضاء الإداري، لافتاً إلى أن لكل حالة خصوصية ما.

وأضاف «المقرحي» لـ«الوطن»: «شهادات الميلاد ليست دائمة بل مؤقتة، تنتهى عند إثبات النسب، ووفقاً للحكم الأخير ستلتزم وزارة الداخلية باعتماد الأسماء الجزافية الموجودة بشهادة الميلاد في بطاقة الرقم القومي، حرصاً على الجانب الإنساني، وحفاظاً على الأطفال من التشرد والضياع».

مُتابعًا: «هؤلاء الأطفال محرومون من كافة الامتيازات بالدولة، وتتزايد أعدادهم بشكل مقلق، حتى وصلت إلى مليونَي طفل، بحسب إحصائية المركز القومي للأمومة والطفولة».

وأوضح «المقرحي»المراحل التي تمر بها آليات تنفيذ شهادات الميلاد المؤقتة، وطريقة اختيار الأسماء للأطفال مجهولي النسب، والتي تبدأ بتحديد طبيب الصحة عمره، ثم اختيار اسم ثلاثي بشكل عشوائي، بشرط ألا يكون لأشخاص حقيقيين، حيث يختار طبيب الصحة اسماً ثلاثياً لوالدته، ولا يُكتب بالشهادة ما يشير إلى كونه مجهول النسب، وتُكتب المنطقة التي وُجد بها باعتبارها محل للميلاد، ويُشترط ألا يتم اختيار اسم مكرر أو عالق في ذهن أي من حضور الواقعة، ومن ثم لا يصبح من السهل ادعاء معرفته، ويمكن أن يختار أحد الموظفين بالدار أو موظف الأحوال المدنية اسم الأطفال مجهولي النسب، وبعدها يجب تقديم خطاب صادر من الدار بوصفها الجهة المسئولة عن الطفل، وتُقرر النيابة تحويله لإحدى دور الرعاية، وتقديم تلك الأوراق للأحوال المدنية، لينتهي الأمر باستخراج شهادة ميلاد الطفل مجهول النسب.

ومن جانبه أكد مصدر أمني إن قرار المحكمة ساهم في حل أزمة كبيرة عانى منها مجهولو النسب، قائلًا: «أصبح بمقدور الأطفال استخراج أوراق يحصلون بمقتضاها على ضمان اجتماعي وتأمين صحي وشهادة ميلاد، تنفيذاً للقرار الجمهوري الذى أصدره الرئيس عبدالفتاح السيسي، ويقضى بمعاملة الطفل مجهول النسب كالطفل اليتيم، وتضمّن القرار رقم 15 لسنة 2015، تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي 137 لسنة 2010، حيث جرى استبدال الفقرة (ج) من المادة الثانية الخاصة بتعريف اليتيم، ليكون (كل من توفى والداه أو توفى أبوه ولو تزوجت أمه، أو مجهول الأب أو الأبوين)».

«التضامن»: الوزارة مسئولة عن رعاية هؤلاء الأطفال

قال علاء عبد العاطي، معاون وزارة التضامن الاجتماعي للرعاية الاجتماعية، إن 448 دار أيتام على مستوى الجمهورية تضم أكثر من 10 آلاف طفل، بينهم 82% مجهولي النسب.

وأضاف خلا حديثه  للـ«الوطن»: «هناك عدة إجراءات عند العثور على الأطفال مجهولي النسب، حيث يتم عرضهم على النيابة التي تتخذ قراراً بمنح الطفل اسماً ثلاثياً للأب والأم، ثم تسنينه من قبَل مفتش الصحة، واختيار اسم ثلاثي له بشكل عشوائي من جانب مفتش الصحة".

وأشار إلى أن آخر بند في قرارات النيابة هو إيداع الطفل بأحد مراكز الرعاية، واتخاذ الإجراءات باعتباره مواطناً طبيعياً، فيتم استخراج رقم قومي، وشهادة ميلاد، وتلقيه كافة التطعيمات كغيره من الأطفال، لافتاً إلى تزايد نسبة مجهولي النسب في دور الرعاية بالمدن مقارنة بالريف.

الحقوق التي يحصل عليها الأطفال داخل دور الرعاية

وأكد "عبد العاطي" أن الطفل "مجهول النسب" يحصل على حقه في التأمين الصحي التابع للمدرسة كغيره من الأطفال، إلى جانب تكفل دار الأيتام برعايته صحياً، فضلًا عن دفع مصروفات المدارس، وبمجرد حصول الجمعية أو المؤسسة على ترخيص لمزاولة النشاط، يتم التنسيق بين مركز الأمومة والطفولة معها، وإمدادها بالأطفال، لتنشئتهم ورعايتهم نفسياً واجتماعياً وفقاً للنطاق الجغرافي لها، مؤكداً أن وزارة التضامن هي القائم على هؤلاء الأبناء في المقام الأول.

ولفت «عبد العاطى» إلى أنه حال تعثر الجمعية مادياً، فعليها التقدم بطلب للوزارة، وصندوق إعانة الجمعيات، لأنه منوط به مساعدة الجمعيات حال التعثر المالي بدار الأيتام.

وأضاف أغلبية دور الأيتام تُلحق الأبناء التابعين لها بمدارس (إنترناشونال وخاصة)، وهناك جمعيات متوسطة تؤسس مشروعات تجارية على أن يتم توجيه إيراداتها للدار، وتلك الدور تختلف تماماً عن دور رعاية الأطفال بلا مأوى التي تتولى مسئوليتها وزارة التضامن».

 الأسر البديلة الحل الأنسب للأطفال مجهولي النسب

قالت سمية الألفي، رئيس الإدارة المركزية للرعاية الاجتماعية بوزارة التضامن، إن أغلب الحالات يتلقون كافة التطعيمات، ويلتحقون بالمدرسة، ثم تتم العودة إلى الدار أو الأسرة البديلة.

وأضافت: «إنه تم تشكيل لجنة عليا لزيادة الأسر البديلة منذ 3 سنوات، تضم ممثلين عن وزارات الداخلية، العدل، الصحة، الخارجية، وجمعيات أهليات كبرى، وخبراء اجتماعيين لتعديل اللائحة»، مشيرة إلى أن التعديل في اللائحة نص على تسليم الطفل للأسرة البديلة من سن 3 شهور.

وتابعت: «للمرة الأولى تُمنح الآنسة فوق 35 عاماً الحق فى كفالة الطفل، والتي تملك الإمكانيات الاجتماعية والمادية للكفالة، كما تم إعطاء الحق للمطلقة، فلم تعد الصورة التقليدية للأسرة تحتم ضرورة وجود الأب والأم».

أخبار قد تعجبك