كافيه البنات

كتب: ندى سمير -

10:53 ص | الإثنين 19 أغسطس 2019

الإدمان

بدأت علياء صاحبة الـ29 عاما رحلتها مع إدمان المخدرات قبل 9 سنوات، ولها قصة فريدة من نوعها، إذ لم تقتصر الابتلاءات في حياتها على إدمان المخدرات فقط، وكان وراء الإدمان أسباب ومشكلات عديدة.

"من يوم ما وعيت عالدنيا بشوف أبويا بيضرب حقن قدامي أنا وإخواتي، كنا بنصرف من معاش جدي، كان بيسيبنا جعانين وياخد الفلوس يقضي بيها".. هكذا بدأت علياء حديثها لـ"هن"، فمذ كان عمرها نحو 8 سنوات، وهي تدرك سبب الخلافات بين والدها ووالدتها، فدائمًا ما كانا يتشاجرون بسبب إدمان المخدرات، حتى قررت أمها أن "تنفد بجلدها" كما قالت الفتاة العشرينية، فطلبت الطلاق وتركت علياء وباقي إخواتها لاستاكمال رحلة عذابهم مع والدهم المدمن.

عاشت علياء المأساة مع والدها بالكامل، كانت أكبر أولاده سنًا، تعرضت للكثير من المشكلات في حياتها بسببه، فكانت تواجه مضايقات من أهالي منطقتها باستمرار، ومن زملائها ومعلميها في المدرسة، سيرته السيئة كانت تتبعها في كل مكان تذهب إليه: "مش فاكره إن عمري نزلت من بيتنا إلا وسمعت كلمة يا بنت البُدرجي دي من حد".

تعرضت علياء للضرب والإهانة منه ومن غيره من أصدقائه المدمنين رجال ونساء، إذ كانوا يترددون على منزلهم باستمرار، يجتمعون مساءً وتبدأ السهرة، كل أنواع المخدرات موجودة ومتاحة أمامهم، كانت تحاول الاختباء منهم في أي مكان في المنزل، تغلق غرفتها عليها وإخوتها ظنا منها أنّها باتت في أمان، لكن سرعان ما يكثر عدد المدمنين في المنزل، فينتشرون في كل مكان، ولا تجد مساحة لتجلس فيها: "أوقات كتير كان ممكن أنام أنا واخواتي على عتبة باب البيت عشان مش لاقيين مكان جوا ننام فيه حتى على الأرض، كانوا بيبقوا مرميين في كل حتة زي الجثث وشكلهم مقرف ومرعب".

تركت الفتاة العشرينية دراستها في سن الـ12 عاما، ودفعها والدها للعمل: "قالي مش هيبقى أكل ومرعى وقلة صنعة، اشتغلي وهاتي لقمتك"، فاتجهت للعمل في محل لبيع الملابس، وسرعان ما تركته بسبب تصرفات مديرها الذي كان يتحرش بها ويسيء معاملتها، ثم انتقلت للعمل بمصنع ولم تستقر به، وظلت تتنقل بين عمل وآخر.

ببلوغ علياء الـ13 سنة، عرضت زوجة والدها عليه أخذ أطفالها وإخوات علياء - غير الأشقاء- لتربيتهم في بيئة صحية بعيدًا عن والدهم، وبالفعل أخذتهم بعد موافقة الأب وأصبحت علياء بمفردها مع والدها المدمن تحت سقف واحد.

حاولت مرارًا وتكرارًا الوصول لأمها أو لأي فرد من أفراد عائلتها، لينقذها من منزل والدها لكن دون جدوى: "إنت فاهمة يعني إيه يبقى الشارع أمان أكتر من بيتك؟، أنا عمري ما حصلّي في الشارع حاجة أسوأ من اللي حصلتي في بيتي، اتعرضت للضرب والإهانة والسبّ والتحرش ومحاولات الاغتصاب أحيانًا، وفكرت كتير في الانتحار لكن مخدتش الخطوة دي، ففضلت الموت البطيء وأدمنت المخدرات".

"يوم عيد ميلادي العشرين كان أول يوم أجرب فيه البودرة، شديت أول سطر وسافرت بيه على دنيا جديدة، حسيت ساعتها إن مفيش حاجة في الدنيا أحنّ عليا من المخدرات حتى لو أبويا وأمي". قالت علياء وأضافت: "كانت أول مرة أحس بالسعادة الحقيقية، أول مرة أضحك من قلبي وأنسى القرف اللي أنا فيه".

اختارت علياء السعادة اللحظية على حساب الألم طويل المدى، شعرت بالبهجة لبضع ساعات لكنها لم تكن تعلم أنّها بداية اللعنة، ونجحت في الحصول على مخدر "الهيروين" بسهولة عن طريق والدها لكن دون علمه، حتى عندما كانت تفشل في إيجاده معه كانت تتصل بأحد أصدقائه من تجار المخدرات وتبتاعه منه وكأنه لأبيها.

واستمرت على هذا الحال حتى ظهور علامات الإدمان عليها، وهو ما لاحظه والدها الذي سألها إن كانت أدمنت المخدرات أم لا، فأجابت بـ"نعم": "فوجئت برد فعله، لقيته ابتسم وفرح وقالي بنت أبوكي صحيح". وبدأت تشارك والدها وأصدقائه سهراتهم، تستمتع بها وتنتظرها، كانت تتمنى أن تجد اعتراضًا من والدها على ما وصلت إليه.

تركت عملها، ووهبت حياتها للمخدرات، وتوقف والدها عن الحصول على معاش جدها لأسباب تجهلها وبدأ بعرضها على تجار الكيف مقابل كميات من مخدره المفضل: "أول مرة عمل كده قالي تعالي معايا نشتري حاجات ونجهز لسهرة بكرا، رحنا لتجار مخدرات ولقيته سابني لوحدي في مكان واسع وضلمة، حاول الرجل يغتصبني وهربت منه، رجعت البيت وكنت منهارة، لما شفته ابتسم ابتسامة (سمجة)، وقالي حصل إيه؟، قلتله أنا صاغ سليم، ضحك وقالي (بت بمليون رجل) وملالي حقنة مخدر وقالي خدي يا قلب أبوكي روقي دمك)".

واستمرت علياء على الحال ذاته مع والدها، يعرضها على التاجر مقابل المخدرات بينما تجهز هي نفسها للهرب منه، وتعود للمنزل لتجد كمية جيدة من الـ"هيروين" ستكفيهم حتى المرة القادمة، لكنها فشلت في الهرب في إحدى المرات واستطاع أحدهم اغتصابها بالفعل، صُدمت مما حدث، ولم تجد أي ردة فعل من والدها، سمع الخبر وعم الصمت، واستمرت الحال حتى بلغت من العمر 27 عاما، حين توفي والدها بجرعة زائدة من المخدرات.

"أول ما مات حسيت الدنيا نورت في وشي، وفكرت في التعافي". قالت علياء وهي تروي كيف بدأت التفكير في التعافي من الإدمان، لكن البيئة المحيطة بها لم تكن مشجعة بالقدر الكافي، كانت ترى أنها وصمت نفسها بوصمة مستحيل أن يغفلها أو ينساها المجتمع، لكن رغبتها في التعافي كانت أكبر من خوفها، فأقدمت على برنامج للتعافي وتعافت لمدة 7 أشهر و5 أيام و9 ساعات ثم انتكست، ولكنها تعافت مرة أخرى ولم تنتكس حتى الآن، وأتمّت: "أبويا كان السبب في كل اللي أنا وصلتله، ربنا يرحمه ويسامحه عشان أنا عن نفسي مش مسامحاه".

أخبار قد تعجبك