امرأة قوية
أم راشد

على أطراف قرية أبو رواش بالجيزة، وفى مزرعة أشهر مربى الثعابين كانت «أم راشد» البالغة من العمر 40 عاماً، تبدأ جولتها المعتادة للعناية بالثعابين على مساحة نحو 100 متر تم تقسيمها بين أحواض مبنية من الخرسانة المسلحة ومغطاة بغطاء ألوميتال للتحكم فى حركة الثعابين السامة وضمان عدم تسربها فى أرضية المزرعة أو إيذاء أى من أفراد الأسرة الصغيرة المكونة من ثلاثة أبناء وأم وأب لا يعرفون مهنة غيرها، وبين أحواض مكشوفة لمنح الثعابين غير السامة حياة أكثر براحاً، تظل أم راشد التى لم تتجرأ على الاحتكاك بالثعابين والإمساك بها إلا عقب زواجها بنحو عامين وتحديداً فى العام 2006، وقتها وبحسب ما قالت كان زوجها يستقل فى عمله عن أقرانه، فما كان منها إلا تقديم المساعدة وكسر رهبتها نحو الزواحف ومشاركته بكل طاقتها، تقول: «بدأت أمسكهم وأجمد قلبى.. لازم أساعد جوزى فى أكل عيشه، الحياة مشاركة».

قبل ذلك التاريخ لم تكن «أم راشد» تعرف معنى لدغات الثعابين، ولكنها وبمجرد الاقتراب من حياة الزواحف تعرضت لعضاتها واحدة تلو الأخرى، لكن شعورها بالمرة الأولى كان مختلفاً، بحسب ما تتذكر: «أول مرة اتعضيت من الثعابين كنت مرعوبة وخايفة، عضته بتوجع وبتجيب دم، لكن أكتر مرة خفت فيها وحسيت برهبة، لما كنت مربية أصلة طولها 3 متر وجايبة لها فرخة حية وبدخلها ليها، وهى من جوعها افتكرت إيدى الفرخة راحت مسكت إيدى وسابت الفرخة ومعرفتش أسلك إيدى، لحد ما جوزى جاب سكينة وبدأ يسلكها، ساعتها خفت وإيدى ورمت شوية»، علاج إصابات عضات الثعابين لا يتجاوز مسحة من كريم مضاد للالتهاب والتورم، لا يتطلب الأمر الذهاب إلى الطبيب ما دامت العضة من ثعبان غير سام، تقول: «ما بنروحش لدكتور، الموضوع مايستاهلش، كل الحكاية نحط مرهم للتورمات وبتخف على طول، لكن الثعابين السامة عضتها مميتة، وساعتها لازم دكتور ولازم مصل مضاد.. لكن إحنا لحد دلوقتى ماحدش اتعرض لعضة من الثعابين السامة الحمد لله، لأننا حريصين جداً فى التعامل معاها».

تعرف «أم راشد» الكثير عن عضات الثعابين، لكنها بالتأكيد لا تعرف عدد المواطنين الذين يقعون فريسة لها كل عام، قد ينتهى بهم المطاف لينضموا إلى ما يقرب من 100 ألف حالة وفاة فى العالم سنوياً ونحو ثلاثة أضعاف ذلك الرقم يتعرض لبتر الأطراف وغيرها من حالات العجز الدائمة، وذلك حسبما نشرت منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمى فى أبريل 2019، إذ تشير التقديرات العالمية الصادرة عن المنظمة إلى أن 5 ملايين نسمة يتعرضون كل عام للدغات الثعابين، بينهم نحو 2.5 مليون حالة تسمم سنوياً، كما تتسبب لدغات الثعابين السامة فى الإصابة بشلل قد يعيق التنفس، واضطرابات نزفية يمكنها أن تؤدى إلى نزف مميت، وفشل كلوى يتعذّر تداركه، وضرر فى النُسج يمكنه إحداث عجز دائم وقد يسفر عن بتر الأطراف فى بعض الأحيان، حسبما ورد فى التقرير.

ترجع «أم راشد» بذاكرتها للخلف لتتذكر بعض الحكايات الخاصة بالثعابين السامة، التى تلقى على مسامعها من حين لآخر، لكن أقرب الحكايات، التى حدثت لزوجها أسعد راشد، الذى تعرض لعضة من أفعى سامة حينما كان فى طريقه لتسليم مجموعة من الأفاعى إلى هيئة المصل واللقاح «فاكسيرا»، تقول: «قبل ما نتجوز كان بيسلم مجموعة ثعابين سامة للمصل واللقاح وفجأة تعرض لعضة أفعى مقرّنة.. ولولا ستر ربنا إنه كان فى المصل واللقاح فأنقذوه بالمصل والحمد لله خف».

تهم أم راشد للإمساك بعصا معدنية وتفتح باب أحد أحواض الثعابين السامة وتحاول الإمساك بأفعى الطريشة أو المقرنة وتقول: «ما أقدرش أمسك الثعابين السامة بإيدى، جوزى بيمسكها لأنه بيعرف يتعامل معاها، لازم أمسكها بواسطة عصا مخصصة لها»، يتقن الزوج تخييط فم الأفاعى بالإبرة والخيط: «جوزى بيعرف يخيطها ويعرف يحلب منها السم سواء الأفاعى أو الكوبرا، لكن أنا ما حاولتش أتعلمها لأن أقل غلطة ممكن تموت»، تضطر «أم راشد» أحياناً لنقل كميات من الثعابين السامة إلى الكليات العلمية من أجل خدمة البحث العلمى فى الأوقات التى يكون زوجها فى مهمة عمل أخرى، ورغم الحرص الكبير الذى تتوخاه هى وأفراد عائلتها لكن بعض الأخطاء تحدث بشكل مفاجئ، تقول: «كان فيه صيادين جايبين تعابين من نوع الطريشة أو الأفعى المقرنة، وبعد ما مشيوا بنتى جت لى بتجرى وتقولى الحقى يا ماما فيه حية سايبة جوه»، لم تصدق الأم ما قالته طفلتها، لكنها قررت التأكد مما سمعت لتفاجأ بوجود حية تزحف فى المكان، لتستدعى زوجها للإمساك بها ووضعها فى حوض مغلق الإحكام، وتعود لتكمل تفاصيل يومها المعتادة.

لتربية الثعابين أساليب متنوعة تعرفها «أم راشد» جيداً، إذ إن هناك أنواعاً مستوردة تسمى «أصلات» تحتاج لرعاية خاصة مثل الأطفال، فتقوم بوضعها فى صندوق زجاجى تمنحها الطعام من وقت لآخر بحسب مواعيدها، ثم تقوم بتحميمها فى الماء، وهو ما توضحه وهى تشير إلى إحدى صورها مع تلك الأصلات كبيرة الحجم: «الأصلات عاملة زى الأطفال بنحميها وننشفها بفوطة، وأوقات بيجيلها برد وبتعطس زى البنى آدم بالظبط، وساعتها بنحطها فى حمام ميه دافئ علشان البرد اللى فيها يروح وبتبقى كويسة بعدها».

يلقى الثعبان المستورد معاملة خاصة، وهو ما يظهر على جسده الضخم، إذ إن طوله قد يصل إلى 3 أمتار أو يزيد، وكذلك حجمه الذى يزداد بازدياد عمره، تقول: «الأصلة بتخنق الفريسة بتاعتها وتكسر عضمها وتبلعها، وهى أنواعها كتيرة زى الشبكية والهندى»، تقولها «أم راشد» وهى تحمل عدداً لا بأس به من الفئران البيضاء صغيرة الحجم بيديها وتنثرها داخل أحواض الثعابين تمهيداً لإطعامها.

أخبار قد تعجبك