امرأة قوية
ثعابين

يأتيها صوت جارتها المعروف مذعوراً خائفاً بصرخات متتابعة: «الحقينا يا حاجة صفية.. فيه تعبان دخل شقتنا».. تتحرك صفية ذات السبعين ربيعاً بابتسامة هادئة، وتلتقط عصا كبيرة فى مدخل بيتها لتبدأ مهمتها التى ألفتها قبل نحو أربعين عاماً لاصطياد الثعبان المنفلت.. تتذكر كيف كانت تفزع وهى طفلة لمجرد رؤية ضفدع صغير يتقافز إلى جوارها، تبتسم لنفسها، إذ لم تكن وقتها على قدر كاف بهذه الشجاعة التى اكتسبتها بمرور الزمن.. ربما مر نحو أربعين عاماً على ذلك الموقف حين تعلمت مهنة زوجها الراحل شعبان طلبة، التى لم تكن تعرف حقيقتها إلا عقب زواجهما ليقول لها بكلمات صارمة: «أنا شغلتى فى التعابين وهى أكل عيشى»، صدمة كبيرة لم تأخذ وقتها لكى تفيق منها حتى علمت بمخبأ تلك التجارة، إذ كان زوجها الراحل يضع الثعابين فى أكياس من القماش أسفل السرير الذى ينامون عليه.

كان على «صفية» أن تألف عيشتها الجديدة، زوجاً يعمل فى الصيد البرى وبيتاً لم يخل يوماً من الثعابين، وسريراً كثيراً ما قطع هدوءه فحيح الأفاعى، حولت «صفية» أقسى المواقف التى تعرضت لها بفعل تلك المهنة إلى نكات تلقيها على مسامع أبنائها وهى تتوسطهم فى غرفة صغيرة بمنزلها، ممسكة ببعض الثعابين فى إحدى يديها وفى الأخرى تحاول تهدئة موقد النار الذى بجوارها، تمهيداً لتحضير أكواب الشاى لهم، تقول: «مرة الحاج شعبان كان جايب شوال فيه ست تعابين كوبرا، وهى نوع سام وخطر، وحطهم تحت السرير زى ما بيعمل، وفجأة واحنا نايمين، التعابين فضلت تضرب براسها فى الشوال لحد ما سابت.. بصيت لقيتها زحفت حوالينا»، فى محاولة للفت نظر الزوج الذى كان نائماً وقتها، مدت صفية يدها لتوقظه بهدوء وثبات بات حليفها قائلة: «الكوبر سابت يا حاج» ليبدأ الزوج فى جمع الثعابين السامة من الغرفة ووضعها مرة أخرى فى الجوال أسفل السرير، صار الموقف برمته كوميديا من الدرجة الأولى تقصه على من حولها وتذيله بالمثل الشهير «شر البلية ما يضحك».

لا تنتهى مغامرات الحاجة صفية ولا حكاياتها أبداً، لتقصها على أحفادها وأبنائها بروح مرحة.. ذات صباح اصطحب زوجها جوالاً من العقارب ووضعه أسفل سلم البيت، وكانت هى وأبناؤها الأربعة يقومون بمهماتهم اليومية المعتادة، غافلهم فأر وقضم جانباً من الجوال لتزحف العقارب السامة على جدران البيت وتتسلل لكل الأمكنة حولهم، كانت صدمة كبيرة، إذ تعرضت ابنتها وقتها للدغة عقرب واضطرت لنقلها إلى المستشفى حتى امتثلت للشفاء.

تؤمن «صفية» بأن المهنة التى يمتهنها الزوج من الطبيعى أن تتعلمها زوجته، تشير إلى ذلك بعد أن أحكمت قبضتها على ثعبان زحف أسفل السرير فتعيده إلى كيس الثعابين، وهى تقول: «زى ما جوزى بيعمل عملت.. فى الأول كنت بخاف إنما لما اتدربت واتعلمت إزاى أمسكهم ما بقتش أخاف»، تتابع: «علمت ولادى يمسكوا الثعابين وعمرهم خمس سنين.. لازم يعرفوا كل حاجة عن مهنة أبوهم».

الثعابين التى تجمعها صفية وزوجها الراحل كانت تخدم البحث العلمى فى المقام الأول ثم عدداً من «الرفاعية» أو «الحواة» بحسب قولها: «زمان كنا بنبيع الثعابين للرفاعية، كانوا ييجوا يشتروا مننا التعابين وياخدوها يخوفوا بيها الناس أو يوهموهم إن عندهم تعابين فى البيت، بعدها فيه شيخ قالنا إن حرام نبيع لهم لأنهم بياخدوها ويضحكوا على الناس، فقررنا ما نديش حاجة ليهم»، منذ تلك الفتوى التى سمعتها أسرة «طلبة» وبيع الثعابين صار مقصوراً على الطلبة والباحثين.

تمكنت «صفية» من تعليم أبنائها وأحفادها أصول المهنة، بجانب دراستهم التى توقف أغلبها عند مرحلة التعليم المتوسط: «دى شغلانتنا ولازم الكبير والصغير يتعلمها ويتعلم الجراءة فيها»، كلماتها تلك تركت أثرها فى قلوب الجميع التى لم تعد تعرف للخوف مكاناً، تقول: «احنا ما بنخافش من حاجة.. فيه ناس بتخاف من التعابين وممكن تشوفها فى أحلامها لكن إحنا ما بنحلمش بالتعابين.. هنحلم بيها ليه ما هى معانا.. نحلم بحاجة مش معانا».

فى بيت يبعد عشرات الأمتار عن منزل الحاجة صفية تعيش زوجة ابنها الأكبر، واحدة من الوافدين على العائلة لم تكن تعلم كثيراً عن مهنة زوجها وأسرته، كل ما كانت تعرفه تلخص فى كونهم يعملون فى صيد الحيوانات البرية، حتى ذلك الصباح الأول لها فى عش الزوجية تقول إيمان منصور، ذات الأربعين ربيعاً: «يوم الصباحية نزلت أصبح على أهل جوزى لقيت أكياس قماش بتتلعبط تحت السرير اتخضيت.. ماكنتش أعرف إيه ده»، تلك كانت المرة الأولى التى تتعرف فيها على شكل الثعبان وملمسه، ظلت خائفة لفترة من الزمن، حتى تمكنت بفعل سيدات العائلة المحترفات من تعلم مسكة الثعبان والسيطرة عليه، تقول «إيمان»، بعد أن أحكمت غلق باب صندوق زجاجى يكشف عن عدد لا بأس به من الثعابين: «لقيت كل اللى هنا بيمسكوه واتعلمت زيهم وبقيت أمسكه عادى»، تردد إيمان كلمات حماتها بيقين شديد: «شغلانة جوزى لازم أشتغلها.. وحتى لو بخاف من التعابين طبعاً همسكها علشان هى أكل عيشنا ولازم أحافظ عليها».

أخبار قد تعجبك