هي
حكايات زوجات الضباط الأحرار عن ليلة ثورة 23 يوليو

أيام قضيناها بين مشاعر القلق والتوتر، توجس بعضهنّ وعلم البعض الآخر علم اليقين أنَّ أزواجهنّ يوشكون على فعل قد يغير مجرى التاريخ، أو قد يفرق بينهم وبين أبنائهم أو يحرمنّ من رفقتهن بقية العمر، ففي ليلة ثورة 23 يوليو، شهدت منازل الضباط الأحرار تغيرات مفاجئة، مشاعر الخوف مما هو آت كانت المسيطرة، ولكن رغبتهم في التغيير وتحمل التضحيات نحو حلم التحرير وتحدي الملك، هي ما جعلت بعض الزوجات تصر على دعم أزواجهنّ.

حكايات على لسان بعض زوجات الضباط الأحرار، نقلتها حنان حماد في عدد جريدة الأهالي المنشور بتاريخ 25 يوليو عام 1990، وفقًا لموقع أرشيف الصحافة المصرية، التابع لمكتبة الإسكندرية.

زوجة أبو الفضل الجيزاوي استضافت الضباط الأحرار بـ "حلة الليمون"

في بيت أبو الفضل الجيزاوي أحد الضباط الأحرار، اجتمع رجال المدفعية يومي 21 و 22 يوليو، كما حكت سميرة سليمان زوجته، وتجاوز عددهم 40 رجلًا، وكان واجب ضيافتها في اليوم الأول هو مشروب الكوكاكولا، إلا أنَّه نظرا لأزمة مالية كانت قد أصابت الأسرة، قدمت "حلل ليمون" مُثلج في اليوم التالي، ووصفتها بأنًّها "وشها كان حلو".

كان الاجتماع منعقدًا في "الصالون"، ثم زاد العدد فأخرجوا المقاعد والمنضدة ليجلسوا على الأرض، في الوقت نفسه كانت درجة حرارة ابنة الجيزاوي ارتفعت، وكانت الصدفة أن الطبيب الذي حضر تجمعه صلة قرابة بالملكة ناريمان، وعندما لاحظ التجمع غير العادي، بادرت سميرة بتوضيح سبب التجمع بالاحتفال بـ"سبوع البنت"، فكما قالت: "فاتت عليه وربنا ستر".

خرج الضباط الأحرار واحدًا تلو الآخر من بيت أبو الفضل، وارتدى هو الملابس الرسمية حاملا "الطبنجة"، وبعد أن قبَّل أبنائه خلال نومهم، غادر المنزل يملأ عينيه الحماس مرددًا: "خلاص هنشيل الملك".

لم تستطيع سميرة النوم في تلك الليلة، كانت كالأم التي تنتظر نتيجة ابنها في امتحان لن تقبل فشله فيه، حتى وقت إذاعة بيان الثورة الساعة السادسة والنصف، والذي سمعته في الراديو، وقبل نهاية البيان كان أبو الفضل وصل منزله مهللا: "مبروك خلاص عملنا كل حاجة والناس عرفت والبلد زايطة"، ثم أبدل ملابسه، وخرج مناشدا زوجته ألا تنتظر موعد العودة، ثم غادرت هي بعدها منشية البكري مستقلة الترام إلى الجيزة: "شوفت الناس مبسوطة وكان نفسي أقولهم جوزي معاهم ووصلت بيت أبويا وأخواتي قعدوا يسمعوني وأنا بحكي".

وعلق الجيزاوي، على حكاية زوجته: "كانت بتدعمني ولم تقل شيء أثناء خروجي غير الله معكم"، متابعًا أن حجرة السفرة في منزلهم كانت هي مخزن المتفجرات والديناميت أيام تدريب الفدائيين للحرب في القناة.

وصية عبد اللطيف البغدادي لزوجته: "اتكلي على الله واسمعي الراديو"

 

"كنت سأجن من القلق"، هكذا حكت زبيدة جميعي زوجة عبداللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، فقد وصل ضيف إلى منزلهم في ليلة الثورة وبمجرد خروجه بدل البغدادي ملابسه قائلًا: عندي "مبيت" الليلة، وهي تعرف قدر زوجها كضابط رفيع الشأن ليس من مهامه المبيت، كما أنه لم يعد شنطة للمبيت، وما زاد قلقها هو توجهه لغرفة الأبناء وتقبيلهم قبل المغادرة على غير عادته، وعندما سألته عن السبب، قال: "اتكلي على الله واسمعي الراديو".

قضت زبيدة ليلتها أمام الراديو، وسمعت البيان، وحكت أن البغدادي لم يعد إلى المنزل إلا يوم 24 يوليو، ليبدل ملابسه ويأخذ حقيبة ملابسه، ثم قضى الأيام التالية في مركز القيادة.

زوجة جمال حماد: "شنطة المبيت كان فيها شبشب وبيجامة وعدة حلاقة"

أما خيرية زوجة جمال حماد كانت في آخر أيام الحمل، وأوشكت على الولادة، وتتذكر ليلتها بأنَّ زوجها خرج مرتديًا "قميص" لونه أبيض وبنطلون أسود، ثم عاد وملابسه سوداء قائلًا دون أنَّ يرفع وجهه في وجهها: "عندي نوبتجية"، فنهضت لتعد الحقيبة التي وضعت بها "بيجامة"، وعدة حلاقة و"كولونيا"، وقالت له: "انتوا ناويين على انقلاب"، فصرخ حماد في وجهها "عرفتي منين"، وكان ردها: "إحساس"، لكن استخدامها للكلمة كان غريبًا فهي كلمة غير متداولة، ثم ضحك جمال حماد قائلًا: "مش معقول"، إلا أنَّها أصرت أن تعطيه مصحفًا كان معه في حرب فلسطين، وأخذه بعد ذلك في حرب اليمن وفي كل رحلاته.

وعن ولادتها الموشكة، قال لها حماد قبل أن يغادر: "معاكي إخواتك"، وخرج ولم تراه سوى يوم 26 يوليو، فلم تنم تلك الليلة حتى رن جرس الهاتف في السادسة والنصف صباحا، ليخبرها زوجها متحدثا من مكتب أركان حرب الجيش: "كل اللي قولتيه كان صح وعملنا انقلاب والضباط الأحرار استولوا على الحكم"، فزاد ذلك الاتصال قلق خيرية، فقد كانت ترى أن الإعدام شنقا هو المصير الحتمي في حال الفشل.

وعلق حماد على رواية زوجته لليلة 23 يوليو، بأن حقيبته كانت تمثل ورطة لا مفر منها: "تصوروا، ذهبت لأشارك في الثورة بشنطة فيها شبشب وعدة حلاقة"، متابعًا أنَّ الشنطة اختفت ولا يتذكر أين تركها.

في آخر اليوم كان موعد الولادة، وكانت خيرية تنوي أن تسمي ابنها محمد حسين باسم والدها، لكن الطبيبة قالت: "محمد نجيب على اسم قائد الانقلاب"، وعندما عرف نجيب بذلك كتب على شهادة الميلاد متمنيًا أن يصبح وطنيا كأبيه.

أخبار قد تعجبك