كافيه البنات
عالم افتراضي

تأسست عشرات المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي -سواء داخل سوريا أو خارجها- في السنوات الأخيرة، وتحوّلت إلى مساحة تشبه جلسات نسائية خاصة تمتد على مدار اليوم، لهذه المجموعات أسماء مختلفة، مثل: صبايا وحقّانيات ومع بعض ومكياجي وغيرها كثير.

هايدي حافي (30 عاما) أسست مجموعة سرية مغلقة على "فيس بوك" أطلقت عليها اسم "حقانيات (كلمة بالعامية السورية مشتقة من كلمة الحق)، وتضم الآن أكثر من 200 ألف عضوة بعد أقل من عام على إطلاقها، وقالت هايدي عن أسباب تأسيسها لهذه المجموعة، إنّه شعورها بحاجة النساء السوريات للدعم، وأهمية وجود هذا المكان الخاص بهنّ والذي تستطعن فيه الحديث بكل حرية عن كل ما يخصهنّ. بحسب "بي بي سي عربي".

واتفقت مع هذا الرأي عليا خيربك سليمان مؤسسة مجموعة "صبايا" التي انطلقت قبل نحو 4 أعوام داخل سوريا، ويزيد عدد أعضائها عن 600 ألف، قائلة: "المرأةُ في مجتمعاتنا العربية مظلومة منذ سنوات طويلة، لكن الحرب التي عشناها في سوريا زادت من قهر النساء وأظهرت قصصهن للعلن في الوقت ذاته".

"فيس بوك" حلال المشاكل

وفي تلك الصفحات السريّة النسائية السورية التي أنشأتها نساء داخل البلد، تحصل الفتيات على نصائح عن التعامل مع حالات تحرّش تعرضن لها، وكيفية التصرّف لحل مشكلات تتعلق بالأزواج والأولاد، ويعد مضمون الصفحات متنوع جدا، فهناك منشورات تركز على المشكلات الاجتماعية، وأخرى تتعلق بآخر صيحات الموضة والمكياج، وتحولت صفحات أخرى لمصدر رزق لبعض الفتيات اللواتي بدأن العمل بمجال التسويق الالكتروني.

وتتراوح القصص بين التحرش والاغتصاب والعنف الأسري وغير الأسري، وبين الحرمان من أبسط الحقوق، والاضطرار للقبول بعروض زواج غير متكافئة، كما تساعد بعض المجموعات في توفير فرص عمل، فيمكن لمن تمتلك مهارة معينة أن تعرضها وتبين رغبتها في إيجاد عمل مناسب، ومن جهة أخرى كثيرا ما تُنشر إعلانات توظيف مع تشجيع الفتيات على التقدم لها.

وتوجد قصص لنساء وفتيات وجدن أنفسهن فجأة المسؤولات الوحيدات عن إعالة أطفالهم، وطالبات اضطررن للعمل إلى جانب الدراسة، فالحرب طالت بخرابها جميع السوريين وعلمتهم في الوقت ذاته الاعتماد على أنفسهم.

تقول سليمان (34 عاما) في حديثها: "هنا يأتي دورنا في المساعدة، حيث نتلقى طلبات ورسائل من الأعضاء، وننشرها بدورنا على المجموعة، وننتظر الردود والحلول التي تحققت بالفعل في أحيان كثيرة". تضيف حافي - وهي سيدة أعمال تعيش بين مدينتي دمشق واللاذقية - أمثلة عن تلك الطلبات، كشراء أدوية مكلفة أو المساعدة بأجور عمليات جراحية. وتقول إن الدعم يأتي إما عن طريق العضوات الراغبات بالمساعدة، أو عن طريق أرباح الإعلانات مدفوعة الأجر.

الرجال.. ممنوع الدخول

وفي هذا العالم المخصص للنساء بالطبع يُمنع دخول الرجال، للحفاظ على خصوصية الأعضاء ولحفظ الماء في الوجوه وأيضا لضمان حرية مشاركة الحكايات التي يصعب الحديث عنها إلا أمام النساء، وتذكر إحدى المجموعات ضمن القواعد الخاصة بها: "ممنوع إضافة الشباب وتسريب المنشورات للخارج"، وتشير حافي إلى حدوث حالات اختراق من رجال ينشئون حسابات وهمية بأسماء فتيات، ويتم حظرهم حال اكتشافهم.

ومن ضمن قائمة الممنوعات أيضا كما تقول عليا خيربك سليمان الأحاديث الدينية والسياسية وكل ما يمكن أن يثير "النعرات والحساسيات": "بذلك نضمن أن تكون مجموعاتنا عابرة للانقسامات التي عصفت بالمجتمع السوري خلال سنوات الحرب. هدفنا المساعدة والدعم والنصيحة بعيدا عن أي خلافات، وكسوريات فقط"، كما توضح.

لماذا تشارك الأعضاء قصصهم

ترى راميا المصري (اسم مستعار)، إذ تقول إنّ المجموعات النسائية عبر "فيس بوك" باتت فضاء بالغ الأهمية بالنسبة لها، تشارك فيه قصصا ومشكلات شخصية، وتنتظر حلولا ترى أنّها لا تستطيع الحصول عليها من مجتمعها القريب كعائلتها وأصدقائها، والمحكوم غالبا بالعادات والتقاليد والقيود المجتمعية.

وتؤيدها عليا خبربك سليمان -وهي سيدة أعمال وفاعلة في مجال العمل التنموي والإنساني بدمشق- بأنّ وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في التعرف على المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها السوريات، خاصة أولئك اللواتي اخترن الصمت بسبب الخجل من مشاركة حكاياتهن على الملأ: "نتبع آلية النشر دون اسم في حال الرغبة بذلك، ما يساعد على التكلم بحرية أكبر".

وتختلف دوافع المشاركة لدى فتيات أخريات، أي أنّها لم تفكّر بمشاركة قصة خاصة بها، لكنهم يخوضن بعض النقاشات التي تدور في هذا الفضاء الافتراضي، تقول الفتاة الثلاثينية التي تعمل في أحد محلات الألبسة في مدينة حمص: "يوما بعد آخر شعرت بأنّ الحديث على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر سهولة وحتى أمانا. يمكنني قول ما أريد دون الخوف من ردود الأفعال، خاصة وأنني لا أستخدم اسمي الحقيقي، وأستمع لمئات النصائح التي يعجبني بعضها وأعمل به فعلا، وأستغني عن بعضها الآخر".

"مجموعات فيس بوك" مصدر دخل جديد

إضافة لذلك، ترى هايدي حافي بأنّ واحدة من أهم ميزات مجموعات "فيس بوك" النسائية هو تحوّلها لمصدر رزق؛ إذ تتمكن الشابات من عرض منتجات يبعنها مع مواصفاتها وصورها وأسعارها، ومن ثم توصيلها للراغبات بشرائها.

"خلال الأعوام الأخيرة اتجهت الكثير من الفتيات داخل سوريا، خاصة الجامعيات، للتسويق والبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهي مهنة سهلة إلى حد ما ولا تتطلب الالتزام بساعات دوام محددة، كما تساعد على توفير دخل معقول"، تقول الفتاة التي تبلغ من العمر 20 عاما.

وتضيف أنّها اختارت إحدى الصفحات لأن "طريقة النشر منظّمة، إذ يُسمح للفتيات بعرض المنتجات يومي الاثنين والجمعة فقط، ويُطلب منهنّ تحديد السعر عند النشر ما يوحي بالثقة، وأيضا الالتزام بتقديم خصم معين للأعضاء".

أخبار قد تعجبك