كتب:
الوطن -
10:14 ص | الأربعاء 19 يونيو 2019
تمر الأيام وتحمل بين طياتها العديد من التطورات في الثقافة والتفكير وأسلوب الحياة المرتبط بالعادات، ولعل الزواج أكثر ما تحل عليه التغيرات بين الأجيال المتعاقبة، فعرس الجد غير عرس الابن ويختلف كثيرا عن الحفيد.
يسرد أنيس البياع، مدير جمعية الهلال الأحمر المصري السابق، مدير الإدارة الاجتماعية بالشؤون الاجتماعية بدمياط، أنه عام 1965، احتفل بزواجه في كفر البطيخ، وسط حفل عائلي بسيط بالمنزل، وعقب مرور 22عاماً تزوجت ابنته "غادة"، وأقامت حفل زفافها في حديقة عامة بسيطة مجاورة لمنزلهم بدمياط، لكن بعد 33 سنة أخرى، احتفلت حفيدته "رنا"، بزواجها في فندق كبير "خمس نجوم"، تكلف وحده عشرات الآلاف من الجنيهات.
عادات واتفاقيات اختلفت بين الزيجة والأخرى، تزامناً مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكبيرة التي شهدتها البلاد طوال هذه المدة، والتي انعكست على الزواج بشكل كبير.
ففي عصر الجد، بقريته في "كفر البطيخ" كان هناك سجل النقوط، حيث تُسجل فيه كل أسرة مع كل زيجة ما تدفعه من نقوط، وعندما يأتي الدور على هذه الأسرة لتزويج أحد أبنائها يستردون ما دفعوه، وإذا ما نقص يطالبون أهالي القرية به، باعتباره مورداً أساسياً لأبو العروسة لسداد تكاليف الزواج وديونه.
حتى إن النجارين وصناع الأثاث، كانوا يتقاضوا جزءاً من أجرهم، والباقي بعد الزواج، فضلًا عن نقل "العفش" على عربات كارو، تزف الأثاث بأركان القرية، هذا ما شهده وعاشه "الجد" بزيجته، إلا أن دومًا ما كان "التعليم" فارقًا.
فلأنه درس في معهد الخدمة الاجتماعية، تخلى عن "كتابة القايمة": "أنا شخصياً ما عملتش قايمة، لأني اتجوزت بطريقة عصرية، لكن عادتنا كان في قريتنا لا بد من كتابة قايمة، ويمضي عليها العريس"، وعن عروسه يقول: "حبيت واحدة زميلتي في الدراسة وجهزنا نفسنا أنا وهي، واتجوزنا، في شقة ملكي بكفر البطيخ، وبعد انتقالي للعمل في المدينة، أجرنا شقة هناك وعشنا فيها".
متابعا: "مفيش شهر عسل، هي إجازة صغيرة، وبعدها عزومة لأهل العريس والعروس".
الأمر الذي حدث مع الجد، ربما لم يتكرر مع ابنته غادة البياع، أستاذة الاقتصاد بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، بعد مرور 22 عاما، والتي قالت إن التكاليف تختلف بين المدينة والريف، قائلة: "المحافظة غنية وأهلها تجار، والمظاهر عندهم مسألة مهمة".
وتابعت: "الزوج كان مسؤولاً عن أن يكون لديه شقة تمليك، حيث كان تأمين موضوع البيت مسألة مهمة جداً، وهو الأمر الذي حدث نوع من التساهل فيه الآن مع ارتفاع أسعار الشقق، وأصبح من الممكن أن يتم الزواج في شقة إيجار"، مضيفة: "كانوا بيقسموها بحيث إن العروسة كان بيبقى عليها الأجهزة الكهربائية والمطبخ والمفروشات، علماً بأن الدمايطة يهتمون اهتماماً خاصاً بالديكورات والستائر والسجاجيد، وبعض القرى، مثل كفر البطيخ، كان بها مبالغة شديدة في التجهيز، حيث كان لا بد على العروسة من تنجيد 7 مراتب، بتبعاتها من مخدات وألحفة، والغريب أنه كان لا بد أن تهدي حماتها أيضاً مرتبة أخرى ولحافاً بخلاف الـ7 مراتب والألحفة الأخرى".
وبخلاف ما سبق كان العبء الأكبر يقع على الرجل في بقية المسائل الأخرى، خاصة "الموبيليا"، التي كان لها مواصفات معينة، مثلما أوضحتها الإبنة، قائلة: "كانت بتبقى ضخمة ولازم يبقى فيها شغل "أويما" ".
وقالت: "كانت هناك صالونات مذهبة، وفي هذه الحالة كانوا يضعون أكياس بلاستيك في أرجل الأنتريه، عشان كان بيغرس في الأرض، بما يعني أن الموبيليا أهم من أي حاجة عندهم"، مضيفة: "الشبكة لا بد أن تكون من الذهب، وألا تقل عن عدد جرامات معينة، أما بالنسبة للأجيال الجديدة، فيمكن أن يحل الألماظ مكان الذهب، أما "القايمة" فكانت أمراً لا بد منه، كلما كانت قيمتها مرتفعة كان معنى ذلك أن "العروسة غالية وليها قيمة كبيرة"، وكذلك الأفراح والزفة أصبح لها مكانة مهمة ومتميزة في بلد أبدع "الزفة الدمياطي" واللي اشتهرت فيها الفرق مثل "فرقة محفوظ" و"فرقة النوبة".
واستطردت: "بالنسبة لذوي الأصول الريفية أن يقيموا فرحاً في المدينة وآخر في القرية، حتى لو كانوا يعيشون أساساً في المدينة، وكانوا يعلقون لافتات في القرية لدعوة الناس للفرح "عشان ينقطوا"، باعتبار أن جزءاً كبيراً من النقوط "هو اللي بيغطي تكاليف الجواز" ".
وأكدت الابنة أن أيام زواجها لم تكن ظهرت "بوفيهات الأكل" التي شاعت في أفراح الفنادق والقاعات الآن، وكان المقتدرون فقط في القرى يؤجرون طباخاً لإعداد الطعام نهاراً.
وعن التجهيزات، التي اتبعتها بتأسيس حياتها مع زوجها، قالت: "اللي كان بيقدر على حاجة كان بيعملها، على عكس بقية الدمايطة اللي ما كانوش ينفع يتجوزوا إلا لما تكون كل حاجة موجودة، حتى لو مش هيستعملوها طول عمرهم".
من "غادة" إلى ابنتها "رنا" خريجة الجامعة الأمريكية، التي عاشت عصرًا آخر من التغيرات، تسرد الحفيدة أن زوجها، أحمد، هو أساساً شقيق صديقة لها، قائلة: "فضلنا متصاحبين شوية، وبعد سنة تقريباً أهله جم قعدوا مع أهلي، وعملنا خطوبة في البيت لأن بعدها كان المفروض هنعمل فرح كبير في فندق، وقعدنا مخطوبين سنتين، واتجوزنا في 2016".
وعن تفاصيل زواجها، قالت "كان عنده شقة وما كانتش متشطبة، وهو اللي شطبها لكن على ذوقي أنا، وكنا بننزل مع بعض ننقى الباركيه والمطبخ والحمامات".
وكانت أسرة العروسين اتفقا، على تقاسم تكاليف الزواج "كل حاجة بالنص"، مع بعض الاستثناءات "المعروف إن البنت بتجيبها وإن الولد بيجيبها"، حتى الفرح الذي تمت إقامته في فندق خمس نجوم كانت تكاليفه مناصفة أيضاً".
وفي حين لم يكن "شهر العسل" معروفاً بالاسم للجد وقت زواجه عام 1965 سافرت رنا وزوجها إلى اليونان لقضاء "شهر العسل" هناك، حيث زارا العاصمة "أثينا" وتجولا في أكثر من جزيرة هناك، مستغلين "فلوس النقوط" بعد أن زادوا عليها.
فالجد قضى "شهر العسل" في منزله بـ"كفر البطيخ".. بينما قضته "غادة" في "المنصورة".. و"رنا" سافرت مع زوجها "اليونان".
//php if( $news_item['ads'] == 0): ?>
//php endif; ?>