أخبار تهمك
صدقية النتشة

يقع على الأذهان بالسمع عنها، مشهد يتجسد في إجبار سيدة بعمر متقدم والإمساك بغلظة كتف جندي تابع لقوات الاحتلال الإسرائيلي يلاحق مسرعًا مقاوم فلسطيني لجأ إليها باحثًا عن العون، مختبئًا بمنزلها، لتفلته من قبضة الأسر.. تلك المناضلة الفلسطينية صدقية النتشة التي وافتها المنية، قبل 5 أيام، عن عمر ناهز الـ78 عامًا، بعد إصابتها بسكتة دماغية.

"هن" تواصل مع "فايز نصار"، ابنها الأكبر ليكشف عن اللحظات الأخيرة في حياة المناضلة، راويًا شهادات لبعض القيادات الفلسطينية التي أفلتت على يدها من قبضة الاحتلال الغاشم لعشرات المرات بمساعدة المرأة السبعينية. 

على اتصال تلقاه نصار من زوجته، مفزعًا بتدهور حالتها الصحية بعد احتجازها بأيام بمستشفى الخليل الحكومي، وبعد إجراء الأشعة الطبية، أبلغه الطبيب الذي يباشر حالتها بإصابتها بجلطة دماغية، حتى جاوبه نصار بشيئ من المزح: "الكبار مش بيهم معاهم جلطات"، مستنكرا كلماته.

وبمرور دقائق قليلة، أمسكت السيدة السبعينة بإصبع نجلها "فوزي" لتنطق الشهادة الإلهية.. يقولها "نصار" الذي يعمل مدربا رياضيا ومديرا إداريا لنادي شباب الخليل، راويا للحظات احتضار روحها الطيبة.

قبل 4 أشهر، دخلت صدقية غرفة العناية المركزة بالمستشفى بعد سوء حالتها المفاجئة، في توقع على مقربة من الموت، إلا أنها أمدت بالعمر بعد أن عانت في رحلة مرضية من مشكلات بصمام القلب الرئيسي، والكلى، والدم، حيث رافقها في رحلتها الأخيرة ابنها الأصغر "عبدالله" الذي حكم عليه بالسجن لعامين، وأصيب عدة مرات بجروح، ويصفه شقيقه "نصار" بـ"الولد الشقي"، بينما كان ينزعج منه، وبالرغم من ذلك كان الأكثر رعاية لها: "هي كانت بتقبل منه رعايتها عن غيرنا". 

يقول "نصار" إن والدته عانت من أمراض كثيرة، معتمدة على أولادها في الإنفاق، حيث أوضحت التقارير الطبية أن منزلها والذي هو على مقربة من نقطة قوات الاحتلال الإسرائيلي، كان محل التقاء لمشاكلها الصحية، واستنشاقها لـ60 عاما، أنواع مكثفة من الغاز الضار والمخلوطة بالمياه العادمة، منذ أن سكنت بالمنزل القاطن بمدخل شارع الشهداء في مدينة الخليل، فكانت نقطة مناوشات بين شباب الانتفاضات.

ويتابع: "على مر سنوات نضالها ضد الاحتلال تعرضت عدة مرات للضرب والاعتداء سواء من قبل القوات أو المستوطنين"، موضحا أنها باتت ترتكز على عصا، وقلت حركتها لتقدمها في السن.

ولدت صدقية بالبلدة القديمة بحارة السواكنة، حتى انتقلت إلى باب الزاوية بوسط مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، منذ أن تزوجت بعمر 19 عاما من عودة الله نصار، ذلك المناضل الفلسطيني، الذي وافته المنية قبل 28 عاما، وسُجن بيروت وحيفا، بتهم وجهتها قوات الاحتلال، حسبما يقول نصار.

حصلت صدقية على الشهادة التوجيهية، ببيئة تحمل تاريخ نضالي على أكتافها، حيث حكم على والدها علي عليان النتشة، وجدها، وأعمامها الاثنين في أثناء حكم الإنجليز بتهمة مهاجمة مستوطنات لليهود في 1929، حتى وتحت الضغط الشعبي قضت المحكمة ببراءتهم من التهم المنسوبة، فاستُقبلوا في الخليل استقبال الأبطال برفقة 5 من شباب الخليل سنة 1930، كما يروي نصار.

أنجبت المناضلة السبعينة من عودة الفلسطيني، والذي كان يعمل بأعمال البناء ويكبرها بـ30 عاما، 7 أبناء، حيث 5 أولاد، وابنتين، ويحكي نصار عن بناتها "فوزية"، أرملة، تعمل بإعداد الطعام للطلبة بإحدى المدارس، وشقيقتها "نورا" الحاصلة على مؤهل جامعي.

سكان الخليل أطلقوا على ابنتها "نورا" لقب "أم جوزيف"، وذلك تشبيها لها بشخصية جسدتها الفنانة السورية منى واصف، تحمل نفس الاسم، بالمسلسل التلفزيوني "باب الحارة"، تعنف مدافعة عن أرضها.

نورا هي الأخرى ولكن بـ"باب الزاوية" بالخليل، أو كما يلقبوها بـ"أم جوزيف"، تدير إحدى المدارس الابتدائية "قرطبة" بمنطقة يحيط بها المستوطنات اليهودية، ما يجعلها في صدام دائم دفاعا على تلاميذها وأطفالها، ويقول نصار شقيقها: "هي تقلد أمها وكانت تخوض معارك شبه يومية مع المستوطنين عشان تحمي الأطفال الصغار".

وبمشهد واقعي، جسد الممثل السوري سامر المصري شخصية العقيد أبو شهاب الذي رفض عبث المحتل الفرنسي بجثامين الفتيات، والكاشفة عن وجهها الحقيقي وهو "الشيخ زياد أبو هليل" الذي رفض هو الآخر العبث بفتيات فلسطينيات، واختبأ بمنزلها بعد محاصرته، بواقعة عرفت بـ"انتفاضة السكاكين"، حيث إحضار الفتيات سكاكين ممسكن بها، يهاجمن من يعتدين عليهن من قوات الاحتلال الغاشم.

"هي متخصصة عند نقطة القبض على الشباب، تقولهم ده ابني وتروح تمسك بيه وتخلصه بالقوة من إيد جيش الاحتلال"، يقولها نصار، في عزة لأمه، حتى في بعض الأحيان تعاتبهم بالصفع على وجوههم أمام قوات الاحتلال، بعد أن تخبرهم بنسبها لها.

عرفت بنصرتها للمقاومين الفلسطينيين بداية الانتفاضة الأولى في 1988، حتى سميت بـ"أم المناضلين"، وحمايتها للصغار من الفتيان من وقوعهم بقبضة الاحتلال الغاشم، وحتى وفي إحدى المرات وقع "عبدالله" في 1994، حتى حررته من إيديهم، وذلك كان مع ابنها الحقيقي. 

بينما نجلها الثاني "فوزي"، أصيب برصاصة في الانتفاضة الأولى التي ما زالت تسكن جسده، فضلا عن أحفادها الـ4 "عودة، وعدي، و قصي، وأحمد" الذين مكثوا بالسجن لفترات متفاوتة، كما يتابع "نصار".

موقف طريف في حياة المناضلة السبعينية، وبمرة آخرى كانت تعتقد بوجود مقاوم فلسطيني على مقربة من نقطة قوات الاحتلال، ممسك به بالسيارة العسكرية، حتى أقبلت عليه محاولة تحريره، لتجده أنه يهودي تسلل إلى المنطقة العربية، وأبلغوها أنه كان يطلب حمايته.

يتذكر نصار طلب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن يجتمع بها ضمن نساء المدينة، وبحديثهن عنها بامتناء، عرض عليها تنفيذ ما تطلبه، قائلا لها: "تطلبي إيه"، لترد المناضلة على الفور: "حابة أفضل جنبك"، حتى منحها "أبو عمار" شرف رتبة "نقيبا" بقوات الـ17 التابعة لحرس الرئاسة.

ويتابع "نصار" وفقا لروايته: "ده أكبر شرف أنها تتعين نقيبا في القوات المسلحة الفلسطينية دون دخول الجيش".

"مئات المقاومين تم تحريرهم على يدها، وعشرات المرات للمقاوم الواحد".. هكذا يحصر نصار عدد المقاومين الذين أفلتوا من يد العدو بمساعدتها، وأبلغه مصطفى أبو رموز، أحد قادة حركة فتح بالخليل، بالأمس، وفي أثناء تلقيه العزاء، قائلا له: "والدتك حررتني أكتر من 10 مرات ما أيدي الجيش"، بينما رد نصار مازحا: "لازم تدفع 100 شيكل للمرة الواحدة".

في النهاية استيقظ الناس على نبأ موتها، وقام الآلاف من الجمعيات النسوية والمثقفات بتقديم واجب العزاء، ومسيرات اتجهت إلى منزلها شارك بها سحر القواسمي عضو المجلس التشريعي، وعبلة سعدات زوجة الأسير الفلسطيني أحمد سعدات.

ويصف "نصار" عزاء الرجال بـ"الكرنفال"، الذي تسابق به بتقديم واجب العزاء حيث كان على أوله عباس زكي، قائد اللجنة المركزية لحركة فتح والتي أرسلت برقية نعي نيابة عن القائد الفلسطيني.

أخبار قد تعجبك