امرأة قوية
بسمة أشرف

طريق طويل غير ممهد، اعتاد والد بسمة بدراجته، أن يقطعه منذ سنوات، من بيته في محافظة البحيرة، ليجلسها بـ"الدكة" لتتلقى تعليمها في المدرسة.

يوم طويل يمر على بسمة، تنتظر ذات التسع سنوات  في ذلك الحين أبيها في المدرسة، ليأخذها بعد انتهاء عمله في سنترال القرية، إلى المنزل، ليسلم الوالد قضائه إلى الله في ابنته، بعد أن اكتشف مرضها بالضمور العضلي الشوكي في سن عامين.

بسمة أشرف، 23 عامًا، تتعثر حياتها، مثلما تعثرت دراجة أبيها ذات يوم، لتقف بين الحين والآخر تنظر إلى ما مضى بعين راضية وأحيانًا بعين متمردة على واقع فرضه المرض والمجتمع.

تحكي الفتاة التي يصفها من حولها بالبطلة، عن مرض ينبش في عظامها وروحها يوميًا: "وأنا في ابتدائي جاتلي حالة نفسية، وقولتلهم مش عايزة أتعلم تاني، خرجوني بعد 6 ابتدائي، وبابا قالي التعليم ملوش ﻻزمة، وقعدت 4 سنين بعدها ما خرجتش من باب الأوضة وﻻ عايزه أكلم حد"، هكذا تصف طفولة عاشتها بين جدارن غرفتها.

مثلما انتهت مرحلة تعليمية في حياتها، بعد عدة سنوات، بدأت مرحلة أخرى على سن الـ14 عامًا من العثور على فرصة عمل: "بدأت أدخل على الإنترنت وكان اللاب قدامي على المخدة والسبابة على الماوس، وبصباعين بكتب على الكيبورد".

هكذا بدأت حياة بسمة من جدران غرفة في قرية، إلى طريق أكثر صخبًا من حياة القرية نفسها: "دكتور قالي في مستشفى حكومي أنتِ بتعملي كل ده ليه وبتدوري على علاج ليه أنتِ هتموتي، لكن لما عرفت أن فيه عملية خلايا جذعية روحي ردت فيا تاني، وﻻقيت المتبرع بالخلايا عن طريق جمعية خيرية، وبدأت أتحسن بعد العملية".

فستان أبيض مطرز بالخرز من جانبيه، و"طرحة" بيضاء تغطي شعر العروس، وأغاني ريفية على إيقاع الطبلة تنشد إحدى أقارب العروس، تمنت الفتاة الجلوس مكانها، مرتدية فستانها متفوهة ببعض التمتمات: "امتى أكون مكانها لما أكبر".

ولكن مع مرور السنوات، أدركت بسمة أن طريقها غير ممهد للعرس بسبب الكرسي المتحرك الذي يقود مستقبلها، الفستان والعرس والطرحة البيضاء، هو جزء من أحلام الفتاة، ولكن مع بسمة تبدلت مسارات أحلامها: "المجتمع بيرفض مشاعري أو إني أحس زي أي بنت".

تحكي "بسمة"، بعد تجربة عاطفية مرت بها: "اتقالي أنا مش هتجوز واحدة قاعدة على كرسي متحرك، ولما كانت نظرات البعض بتضايقني كنت بقول، أنا مش عايزه نظرات شفقة من حد أو تعاطف".

لم يكتف حتى المقربون منها بتشجيعها أو بإرساء بعض التعازي لها على أضعف حال: "أنا مبعرفش أتقلب من نفسي بحتاج أمي، ماما قالتلي هما السُلام بيتجوزوا لما أنت تتجوزي، زعلت من الكلمة".

"مش عايزة حد أظلمه وﻻ يظلمني"، بهذه الكلمات ترفض الفتاة الدخول في علاقة مع شخص راضٍ حتى بما هي عليه.

ألم وكفاح، ودموع تملأ وسادة بسمة منذ وجودها في الحياة، ولكنها ﻻ تمتلك سوى أن تهزم المرض، وتبدأ في استكمال تعليمها من غرفتها بالمشفى الذي تمكث فيه لعامين متتالين، راضية بتحسنها بعد العملية التي أجرتها: "أنا بقيت باكل بنفسي، وهعتمد على نفسي خلال الفترة الجاية".

وتستكمل "بسمة" تعليمها، وهي في الصف الثالث الثانوي، وغرفة المشفى شاهدة على ألمها عند الكتابة، ولكن رغم تحسن حالتها الصحية بعد عملية "الخلايا الجذعية": "لقيت عندي خلع في الحوض ودراعي اليمين".

وتحتاج الفتاة إلى 4 ساعات سفر من كل عام للذهاب إلى إحدى المدارس المسجلة بها في محافظة البحيرة لأداء الامتحانات.

"السفر متعب، والكتابة والمذاكرة متعبة، بس أنا قررت أتحدى كل تعب علشان أجيب مجموع وأدخل كلية"، بهذه الكلمات قررت أن تستكمل الفتاة القصة وأﻻ تنتهي عند حيز الألم، لتكرس نجاحًا آخر في حياتها المهنية والشخصية.