رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

ماما

بـ«إبره خياطة».. «منى» تواجه آلام الكيماوي بتعليم الكروشيه لأطفال إسطبل عنتر (فيديو)

كتب: سمر صالح -

03:18 م | الجمعة 20 مايو 2022

«أم بسنت» وسط أطفال أحلام إسطبل عنتر

كوب من الشاي على طاولة صغيرة أمامها، اعتادت «أم بسنت» تناوله ظهرا في نفس التوقيت من كل يوم، فور وصولها إلى المشغل، ترتشفه مهلا تغوص معه في عالم آخر يخلو-مؤقتا- من آلام المرض ومرارة طعم الدواء، وسط شتلات خيط ملونة وإبر بأحجام متفاوتة، تملأ أركان المكان، الأدوات المبعثرة من حولها ولكنها حفظت طريقها فلا تهتم بترتيبها يومًا، تعكف على حياكة وتطريز مفارش وشنط بـ«إبرة كروشية» هي سلاحها الوحيد للتمسك بالحياة في مواجهة شبح السرطان.

قبل نحو 18 عاما، تغير مجرى الحياة لـ«منى» أو «أم بسنت» كما تعرف بين أبناء منطقتها وتحب أن يناديها الجميع، حين فقدت ابنها الأكبر واكتشفت إصابتها بسرطان الكلى، لتبحث بعدها بين «كوم قش» على نقطة ضوء تحيل عتمة أيامها إلى نور، طرقت أبواب شتى للأمل حتى استقر بها الحال في مؤسسة أحلام إسطبل عنتر بمنطقة عزبة خيرالله بين مؤسسيها والعاملين بها، فوجدت ضالتها حجزت لنفسها مكانا بين مقاعد معلمي الحرف اليدوية لأطفال المؤسسة.

تغيير حياة «أم بسنت»

«حياتي اتغيرت تماما بعد ما خسرت ابني الكبير وبعدها بفترة اكتشفت مرضي بـ السرطان، حاولت أدور على حاجة تخلي لحياتي هدف»، تقول «أم بسنت» في بداية حديثها لـ«الوطن»، أنها حاولت نفض غبار الحزن عن نفسها، وعزمت البدء في تعليم أطفال مؤسسة «أحلام إسطبل عنتر» تلك المدرسة المجتمعية التي تهدف إلى تعليم المتسربين من التعليم حرفة وعلما ينتفعون بهما، وذلك بمقابل مادي بسيط.

رغم صعوبة رحلة العلاج وآلام المرض الخبيث، تقستم الأم يومها بين جلسات العلاج الكيماوي أوالإشعاعي، وبين أطفال مشغل إسطبل عنتر، تعلمهم كيف يصنعون منتجات من «الكروشيه»، فتتناسى بينهم آلامها: «بخلص جلسة العلاج وأطلع على المشغل، بسلي وقتي وبعدي اليوم وسط الأطفال عشان أخلق حياة لنفسي»، إذ تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلا.

يوم «أم بسنت» بين جلسات الكيماوي والمشغل 

بـ«حضن» وقٌبلة، يعبر الأطفال باب الفصل المخصص لحصة «الكروشيه»، وتستقبلهم «أم بسنت» بابتسامة معهودة لا تغيب، لكل واحد منهم مكانًا محفوظًا، فتتوسطهم في الجلوس حول مائدة مستديرة وقد امتلئت أيديهم بالخيط وحبات الخرز يستمعوا إلى نصائحها ويبدأوا التنفيذ فورًا، تختصر وصف علاقتها بهم بكلمات قليلة: «بحبهم وبيحبوني، بعاملهم زي أولادي»، إذ هي منشغلة بصنع مفارش وشنط متعددة الأشكال والألوان يشاركها في صنعها طلابها الصغار.

 

 

مضت السنين وتخرج الصغار من المدرسة المجتمعية، باتوا منتجين ونافعين لأسرهم وللمجتمع، وباتت معروفة بين العاملين بـ«أحلام إسطبل عنتر» لحبها للحياة وتمسكها بالأمل، وانتقصت «أم بسنت» من حكايتها الكثير الذي ما زال في خزانة ذكرياتها من تفاصيل تخشى الاقتراب منها، حتى لا تسقط القشرة الواهية التي تسند روحها، فتجلس بتركيز شديد تنظر إلى رأس الإبرة تحاول «لضم» الخيط بها: «صحيح السرطان وجعه وحش بس بقاوم وبعدي يومي عشان يكون عندي هدف في الحياة».