رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

«نعمة» أول حدادة في كفر الشيخ: شقيانة على عيالي ومصابة بالسرطان

كتب: سمر عبد الرحمن -

05:25 ص | الأحد 10 أكتوبر 2021

الأسطى نعمة اول حدادة في كفر الشيخ

 بين «مطرقة ومنشار كهربائي، وشرر نيران»، وكمية من الحديد على اختلاف أنواعه، تقضي  السيدة هويدا عبدالعاطي المعروفة بـ«الأسطى نعمة»، والبالغة من العمر 52عاماً، ساعات يومها داخل ورشة الحدادة الخاصة بها بمدينة سيدي غازي التابعة لمحافظة كفر الشيخ، مرتدية نظارة لحمايتها، لكسب قوت يومها والمساعدة في الإنفاق على أسرتها المكونة من 5 أفراد، حيث تصنع من الحديد والصاج، أشكالا مختلفة من القطع التي يحتاجها الفلاح المصري.

في السادسة صباحاً تستيقظ السيدة الخمسينية من نومها، تستبدل ملابسها الأنيقة بـ«جلباب الشغل»، تحضر الإفطار لزوجها وأبنائها، ثم تتوكل على الله، متمنية أن يرزقها رزق أولادها، تفتح ورشتها الواقعة أسفل منزلها وهي عبارة عن محل صغير تبلغ مساحته نحو 4 *3 أمتار، وتبدأ عملها لتشكل يداها الناعمتان الكثير من القطع الحديدية التي بدأت تتعلمها منذ أن كان عمرها 10 أعوام فقط: «كان عندي 10 سنين لما أبويا قرر ينزلني معاه لورشة الحدادة علشان معندوش ولاد صبيان، إحنا 8 أخوات بنات، وأبويا كان راجل مسن علشان كده قررت انزل اشتغل معاه، علشان أساعد في الإنفاق على إخواتي، لأن ملناش مصدر رزق غير الورشة»، تقولها السيدة نعمة بفخر.

السيدة الخمسينية: «الحدادة هجرها الرجال وكملت أنا فيها»

40 عاماً هي مدة عمل «الأسطى نعمة» في مهنة الحدادة التي تًعد من أصعب المهن في مصر، يهرب منها الرجال، لكن لم تفر منها السيدة الخمسينية، بل تعلمت أصول الصنعة وعلمتها للكثير من الشباب بينهم زوجها، فشكلت يداها الكثير من التحف الحديدية: «شربت المهنة وعرفت أصولها، وبقيت اتعلم بسرعة، ومع مرور السنين علمت شباب كتير على أيدي، كنت أنا المعلم وهما الصبية، بس مكنتش بحسسهم إني معلم، بالعكس كنت بقولهم أنتم ولادي بس لازم تتعلموا صح، ولما جوزي اتجوزني علمته علشان يحاول يساعدني».

«شبابيك، أبواب، بوابات، شقارف، محراث، شرشرة، كباس»، تلك هي القطع التي صنعتها الأسطى نعمة، على مدار سنوات كثيرة قبل أن تندر مهنتها ويستحدث الفلاح أدوات جديدة لاستخدامها في الزراعة: «كنت برنس في مهنتي، وكنت بصنع كل حاجة بيحتاجها الفلاح علشان أرضه، منجل وشقرف، وكباس، وشرشرة، ومحرات، بيستخدموها الفلاحين في حش البرسيم والغابات وحرث الأرض وكبس القش وغيرها، لكن خلاص مع الوسائل الحديثة مهنتي بقت نادرة، ومبقتش أقدر أصنع أبواب وشبابيك بسبب تقدمي في العمر وسني الكبير».

«نعمة»: تحملت مسئولية شقيقاتي وأولادي وتنمر الناس

لحظات صعبة كثيرة مرت بها «الأسطى نعمة» خلال رحلتها، بدءًا من وفاة والدها وتحمل مسئولية شقيقاتها، لكن أصعبها لحظة معرفتها بإصابتها بسرطان الثدي وقرار الأطباء بسرعة استئصاله: «مريت بلحظات حرجة كتير، الحياة مكنتش وردية بالنسبالي، أولها وفاة أبويا اللي سابلي 3 بنات من غير جواز وأنا الرابعة، حملني المسئولية، فكنت قدها عافرت علشان أسترهم وربنا قدرني، لكن أصعب اللحظات يوم الدكتور ما قالي إنتي عندك سرطان في صدرك ولازم عملية جراحية، هنا حسيت أن حياتي وقفت، قولت هصرف على ولادي منين، وهعمل إيه، لقيت جوزي سندي في الحياة، قررت أعمل العملية واستأصلت جزء من الثدي، ودا سببلي مشاكل صحية، وخلاني غير قادرة على العمل زي الأول، لكن بحمد ربنا في كل وقت».

الحدادة مهنة صعبة لا يتحملها أحد، لكن شغف «نعمة» وتحملها للمسئولية دفعاها لاستكمال مسيرة والدها: «الحدادة مهنة صعبة جداً محدش يتحملها لأنها شاقة ومحتاجة مجهود بدني كبير، لكن كنت بحبها من صغري ولما شيلت المسئولية قولت لازم أكون قدها وأكمل مسيرة أبويا، واتعرفت على جوزي من خلال ورشتي، وكان فخور بيا وقرر يكمل معايا لما عرف أني ست بـ100 راجل، وهو سندي وضهري واتجوزني وعاش معايا وفتحت الورشة تاني بعد غلقها فترة، ولأن أنا أول حدادة في منطقتي وفي محافظتي كلها، فحب الناس هو اللي رجعني».

«الأسطى نعمة» تتمنى مقابلة الرئيس ورحلة عمرة

تلتصق النيران والسواد الناتج عن صهر الحديد بملابس السيدة الخمسينية، كما تعرضت للتنمر منذ صغرها، لكن عزمها وإرادتها وثقتها بنفسها كانت دوافع لأن تستكمل مسيرتها: «كنت وأنا صغيرة بتعرض للتنمر، لكن ثقتي بنفسي جعلت مني ست تتحمل أي حاجة، كسرت قهرت العادات والتقاليد بالحديد والنار، وقولت مش لازم حاجة تاثر عليا، الشغل مش عيب طالما حلال، واللي بيتكبر على الشغلانة ربنا مبيرزقوش، لأن الرزق بيتوزع مع السعي».

لا تتمنى السيدة الخمسينية، سوى معاشا وعلاجا لها ولنجلها الذي يعاني من حساسية ويحتاج لعلاج شهري، وأن يرزقها الله برحلة عمرة ومقابلة الرئيس عبدالفتاح السيسي: «نفسي في علاج ليا وابني ومعاش يسترني اللي باقي من عمري، وكمان نفسي أقابل الرئيس عبدالفتاح السيسي، فرحت لما قابل ستات كتير شقيانة على عيالها، ونفسي أعمل عمرة، الشغل بقى صعب مبقتش أقدر عليه، لكن لسة بعافر وشقيانة على عيالي».