رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

لقّبها السفير الهندي بــ«هيلين كيلر».. «سهام» فتاة الأقصر الكفيفة ترسم وتعزف

كتب: أماني خيري -

06:58 ص | الجمعة 03 سبتمبر 2021

سهام فتاة كفيفة من الأقصر

«أنا سهام.. عايزة أسافر بره، وأقابل الرئيس عبدالفتاح السيسي».. لم تكن تلك مجرد كلمات عابرة، لكنها كانت حلما يتجدد بشكل يومي لدى «سهام» وتدونه في لوحاتها الفنية، بعدما فقدت نظرها وحاسة السمع منذ الصغر، لتجد نفسها وحياتها داخل لوحات الرسم، فتارة ترسم البيوت النوبية بألوانها المبهجة، وتارة أخرى ترسم نهر النيل شريان الحياة.

 

قدر الله وماشاء فعل.. والدة سهام: رضينا بقضاء الله

«في البداية كانت شوية سخونية، رغم أنها اتولدت طبيعية، رحنا المستشفى وأخذت حقنة، فيما بعد اكتشفت أنها مش بتسمع كويس، رغم أنها بدأت تقول ماما وبابا».. هنا بدأت حكاية سهام عبدالناصر مصطفى، فتاة كفيفة وصماء، تعيش بمركز إسنا جنوب الأقصر، حسب رواية والدتها إيمان الصادق، فبعد فقدان ابنتها لحاسة السمع، فوجئت في أحد الأيام بعدم قدرة ابنتها على النظر بشكل جيد، وحسبت أن حالتها هينة فلن تحتاج سوى لنظارة طبية لضعف النظر، لكن حديث الطبيب أصابها بالصدمة، حينما أكد أن نجلتها مُصابة بمرض نادر يُسمى التهاب تلوني، يُفقد النظر تدريجيًا، كما أن هذا النوع من المرض ليس له علاج أو عمليات جراحية في ذلك الوقت حسب حديث الطبيب.

حاولت والدة «سهام»، الذهاب للعديد من الجهات والأطباء في مختلف المحافظات على أمل النجاة، وعلاج ابنتها وإعادة نظرها لها، حتى أن أبناءها وزوجها تركوا منزلهم في سبيل البحث عن حل في ظل تلك العتمة، لكن اُغلقت جميع الأبواب في وجهها، واعتبرت أن ذلك قضاء الله وقدره يجب التسليم به، لتتخذ الأم دورًا جديدًا بإدخال ابنتها في مدارس الأمل بمحافظة أسوان.

الأم: تحدّيت الظروف وأدخلت ابنتي المدرسة

مع بدء مرحلة جديدة من حياة «سهام»، عقب التأكد من عدم قدرتها على السمع أو النظر، حاولت الأم إيداعها في مدرسة تعليمية حيث تحدت جميع الظروف من رفض والدها وأسرته تعليم الفتاة الصغيرة لظروفها الخاصة، لكن الأم تحدت كل هذا وقررت إيداع «سهام» في مدرسة الأمل بمحافظة أسوان حتى تتعلم مثل بقية أشقائها ولا تشعر بأنها مختلفة أو ينقصها شئ عنهم.

وقالت والدة سهام: «في الأول أهل زوجي رفضوا أن سهام تدخل مدرسة وقالوا صغيرة، وعدت عليا مشاكل كتير، لكن رفضت أخليها تخدم أخواتها، وأنها تستكمل تعليمها ويكون لها مستقبل خاص، وبالفعل ودتها مدرسة الأمل في أسوان»، وتابعت «من هنا بدأت مرحلة جديدة من عمرها فأقوم بإرسالها للمدرسة أول الأسبوع وفي نهايته تعود للمنزل لتعيش برفقة أشقائها».

 

 بنتفاهم أنا وسهام بـ «الإشارة واللمس»

تقول والدة سهام، إنها وحدها يُمكنها التفاهم والتحدث مع نجلتها من خلال تكوين الإشارات على يديها باستخدام اللمس، وفي بعض الأوقات تقوم بكتابة الكلمات على يديها حتى يمكن لوالدتها فهم ماذا تريد، لتصبح الوسيط في التعامل بينها وبين الآخرين.

وعن مساعدة نجلتها في ارتداء ملابسها أو الطعام في المنزل، أكدت «إيمان»، أنها قررت السماح لنجلتها بممارسة حياتها الطبيعية في المنزل مثل بقية أشقائها الـ4، حتى لا تشعر بالاختلاف عنهم في شئ، مما يفقد ثقتها في نفسها لشعورها بعدم قدرتها على ممارسة حياتها الطبيعية، وحسب تعبير والدتها: «سهام بتشارك في تنظيف المنزل وغرفتها بشكل يومي، وتعرف مكان المستلزمات في المنزل وجميع الأشياء واعتادت على ذلك، علشان ماحدش هيستحملها بعدين كان لازم تعتمد على نفسها».

ويخلق من الضلمة نور.. والدة سهام: عادت للرسم بعد إصابتها بالاكتئاب

«أصيبت سهام بحالة من الاكتئاب، ولكونها تمتلك عدة مواهب مختلفة منذ الصغر، سعيت معها على إعادة العمل على تلك المواهب وتطويرها، وبدأت بالفعل في تعلم الموسيقى والعزف على العود من خلال قصر ثقافة إسنا، من خلال معلم موسيقى لكن توقفت بعد أشهر من تعلم السلم الموسيقي بسبب بظروف حدثت مع العازف»، وتستكمل والدة سهام الحديث، لافتة، إلى أن نجلتها لديها موهبة الرسم منذ الصغر حينما كانت مصابة بضعف النظر قبل أن يذهب تمامًا، فحاولت مرة أخرى استرجاع هذه الموهبة والعودة للرسم مرة أخرى عقب إصابتها بحالة من الاكتئاب رغم رفض نجلتها في البداية قائلة لها: «أنا مبشوفش هرجع للرسم ازاي؟»، لكن تشجيع والدتها ساعدها في العودة مرة أخرى.

وعن كيفية قيام الفتاة بالرسم، توضح «إيمان»، بأن نجلتها تستطيع الرسم بنفسها من خلال وضع اللوحات في المكان المناسب، وأيضًا يمكنها الرسم من خلال استخدام ألوان الشمع فهي ألوان يمكن لمسها، حيث تقوم بفتح كف الأيد على الورق ومن ثم تبدأ في تكوين وجه وجسم الشخصية التي تقوم برسمها.

 

والدة سهام: شاركت في مسابقات كتير والسفير الهندي لقبها بـ هيلين كيلر الثانية

وحسب والدتها، شاركت «سهام» في العديد من المسابقات الخاصة بالرسم، كما تكرمت من قبل السفارة الهندية، حيث شاركت في مسابقة خاصة بوزارة الثقافة، وأعلنت عنها الوزارة داخل مصر، وشاركت بلوحة عبارة عن فتاة هندية وبجانبها فتاة مصرية، وحصلت على ميدالية حيث تم تكريمها على مسرح الجمهورية من قبل السفير الهندي داخل مصر منذ حوالي 4 سنوات، لافتة إلى أن قيامها برسم لوحات أخرى منها البيوت النوبية وزينة رمضان ونهر النيل في مصر، وبداخل كل لوحة كانت تدون عليها أمنيتها في عودة نظرها مرة أخرى.

كما شاركت في عدة مسابقات أخرى، أبرزها كانت تابعة لوزارة الداخلية المصرية، وتفوقت فيها وحصلت على ميدالية وتم تكريمها في نادي الشرطة بالقاهرة، وكانت هذه الفترة هي الأفضل في حياتها حيث أعادت ثقتها بنفسها مرة أخرى، لكن توقفت جميع المسابقات منذ فترة طويلة بسبب ظروف جائحة كورونا.

أحلام عادية.. والدة سهام: نفسي بنتي ترجع تشوف تاني

حلم والدة سهام لم يكن بالحلم الكبير، لكنه طبيعي في تلك الحالة، فأول حلمها هو عودة النظر لنجلتها الصغيرة والتي تبلغ الآن 24عامًا، حتى لو كان نجاتها في إجراء عملية جراحية في الخارج، حتى تستكمل حياتها بشكل طبيعي مثل بقية الفتيات في عمرها، معبرة: «نفسي بنتي ترجع تشوف تاني».

 ولكنه لم يكن الحلم الوحيد، لوالدة سهام، فإن لم يكن مُقدر لها عودة نظرها مرة أخرى، فعلى الأقل تستكمل مسيرتها الفنية في رسم اللوحات حتى تصبح بالفعل مثل هيلين كيلر التي عانت من ظروف صحية تشبه حالة سهام لكنها نجحت في الوصول للشهرة.