رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

بنت عزبة الهجانة بـ«الخوذة والفيسبا».. «سارة» تقتحم مهن الرجال وتحلم برخصة وبيت

كتب: سمر صالح -

12:48 م | الأربعاء 07 يوليو 2021

سارة عيد ابنة منطقة عزبة الهجانة

تسكن شارعا تتلاصق فيه البنايات، في كل بناية منها طوابق عدة وشقق وسكان لكل منهم حكاية خاصة، غير أن حكايتها يتحاكى بغرابتها الجميع، يتسائلون كيف لفتاة لم تبلغ الثلاثين من عمرها، أن تعمل في مهنة للرجال فقط؟ وكيف تقتسم ساعات يومها المزدحم بين عملها ورعاية صغيرها؟ إذ تنهَض الأم العشرينية من غَفوتها مبكرا على صدُوح إذاعة القرآن الكريم بالتواشيح الدينية من المقاهي والمحال الملاصقة للبيت، وتبدأ صخب يومها منذ السابعة صباحا، ولا يهدأ إلا في الساعات المتأخرة من الليل، وقد استنفذت طاقتها في كسب قوتها.

عملت في «بوفيه» بعد الانفصال لتصرف على ابنها

فتاة ترتدي خوذة رأس ثقيلة، تخرج من بيتها مبكرا، تقطع خطوات قليلة صوب الدراجة البخارية «الموتسيكل» الذي اشترته قبل ثلاثة أعوام بالتقسيط، تدّور محركاته فتتجلى راحة يدها التي امتلأت بخطوط تشي بأنثى لم تعش أجمل سنوات عمرها، تهم بالصعود عليه، فيصدر صوتًا يستقيظ منه سكان الأدوار السفلى بالشارع، «أول مرة خرجت بيه الناس كانت مستغربة شكلي، وبيبصوا ليا أوي مش فاهمين مين دي اللي لابسة كده، وإزاي بنت راكبة فيسبا في حي شعبي»، بصوت ينم عن فتاة تتحدى أمور تفوق طاقتها، بدأت «سارة عيد» تتحدث إلى «الوطن» من داخل منزلها بمنطقة عزبة الهجانة، ذات الطابع الشعبي، بينما تعلو من الخارج أصوات الباعة الجائلين في الشارع.

لم يكن التحدي سهلًا يومًا على «سارة»، فمنذ الوهلة الأولى لقرارها بالاعتماد على نفسها لتربية صغيرها «مازن» صاحب الخمس سنوات، بعد انفصالها عن زوجها، أدركت أنها أمام طريق طويل عليها أن تشقه بمفردها، ولم تجد حرجًا في أن تعمل في «بوفيه» أحد الشركات الخاصة في نطاق سكنها، تجيد إعداد الشاي والقهوة وكل المشروبات للموظفين، حتى باتت جزءًا من فريق العمل، «في البداية كنت بقعد لوحدي ومش بكلم حد، لحد دلوقتي المهندسين في الشركة لما يشوفوني ينادوا عليا أفطر معاهم، وده شجعني أكمل شغلي عشان أربي ابني».

«فيسبا» بالتقسيط للعمل دليفري لزيادة دخلها

السكون والرتابة أمران لا يتناسبان مع شخصية «سارة»، فاتخذت قرارًا بالعمل في مهنة أخرى تدر عليها دخلا إضافيا بعد انتهاء مواعيد عملها في «بوفيه» الشركة، مُزحة قادتها إلى قدرها، حيث كانت تتسامر مع إحدى أصدقائها من الحي الشعبي في جلسة نسوية ذات يوم، فألقت عليها سؤالا: «ماذا إذا اشتريت دراجة بخارية كما تري الفتيات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟» غادرت الجلسة وتحولت المُزحة إلى فكرة تشبثت برأس الفتاة ذات الأصول الأسوانية، وبات رأسها منشغل بالبحث عن أسعار الدراجات البخارية، وكيفية تدبير المبلغ المالي المطلوب لشرائها.

دهشة أهالي الهجانة من صاحبة «الخوذة والفيسبا»

«حوشت الجنيه على الجنيه» حتى نجحت الفتاة البالغة من العمر 28 عاما، منذ شهرين فقط، في تدبير ثمن مقدمة الدراجة البخارية، وتقسيط باقي المبلغ على مدة محددة، للتخذ منها مهنة إضافية تستخدمها لنقل وتوصيل الطلبات إلى المنازل داخل عزبة الهجانة، وخارجها في المناطق المجاورة، «أول مرة ركبته جوا العزبة كنت خايفة، سمعت تعليقات سخيفة من الشباب، مش عادي إن جوا العزبة بنت تركب موتوسيكل»، حتى اندمجت مع المهنة ذات الطابع الذكوري -مضطرة لذلك-، واستغلت وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لنفسها.

نظرات دهشة واستغراب كانت تبدو على الزبائن فور رؤية «سارة»، وهي تدخل عليهم بالطلبات التي تنقلها إليهم، «أول ما كنت أقلع الخوذة من على راسي الزباين يستغربوا إني بنت وبوصل طلبات»، لكنها سرعان ما كانت تتعارف عليهم، وما إن يجدوا فيها راحة في التعامل، تعقد اتفاقا بينها وبينهم على توصيل طلبات أخرى في أوقات لاحقة: «أهم حاجة عندي إني أكسب ثقة الزبون، والزبون بيجيب زبون».

نقل كل شيء حسب طلبات الزبائن

«بنقل أي حاجة، أكل وهدوم وأحذية حسب طلب الزبون»، هكذا ذاع صيت «سارة» أو«صاحبة الخوذة والفيسبا»، كما اشتهرت بين أهالي العزبة، مواقف سخيفة ومضايقات تجاوزتها الفتاة التي لايتضح من ملامحها سوى عينيها من وراء خوذة كبيرة تغوص فيها رأسها، تعلمت «لغة الشارع» وأجادت من أجلها التعامل مع الشباب الذين يقطعون طريقها بعبارات ساخرة، أراحت ظهرها قليلا وجلست تروي إحدى المواقف، «مرة طلع عليا شباب شكلهم شاربين مخدرات، مثلت إني بكلم ظابط في التليفون عشان أعرف أعدي منهم»، وبين هذا وذاك حفظ الأهالي هيئتها وباتوا يفسحون لها الطريق وقت عبورها، وعلى الجانب الآخر من المشهد الصعب ثمة مواقف جدعنة تقابلها في يومها تهون عليها المعاناة، كأن يعرض عليها أحدهم مساعدة حين تتعطل دراجتها البخارية على الطريق.

«مطحنة الحياة» التي تدور«سارة» بين تروسها يوميا، لم تُنسيها حق ابنها في طفولة مرحة، خصصت يوم الجمعة من كل أسبوع من أجله تتفرغ لإسعاده -قدر استطاعتها- وتعويضه عن ساعات الغياب عنه طوال الأسبوع، «بصحى بدري ونقرر مع بعض نتفسح فين، مرة نروح نزور قرايبنا أو صحابنا أو نروح مول أو أي مكان هو يختاره»، حتى بات صديقها الأول ورفيق رحلتها، التي تتجدد من أجله طاقتها كل يوم.

تحلم برخصة للموتوسيكل وبيت يأويها

تتأمل «الأم سارة» حياتها، تتحايل على الوحشة والانتظار، تشرد بخيالها فتتزاحم الأمنيات في رأسها، أمنيات بسيطة يستصعب عليها بلوغها، « نفسي في بيت يأويني أنا وابني، لأني قاعدة في بيت أخويا ومليش مكان»، إلى جانب حلمها في ترخيص دراجتها البخارية التي تحتاج إلى نحو ألفي جنيه، «بسدد أقساط الفيسبا بالعافية، مش معايا تمن الرخصة، ونفسي أرخصها عشان أمشي في الشارع متطمنة، بيجي ليا شغل كتير جدا ومكسبه حلو، بس مقدرش أمشي في شوارع بعيدة عشان مش معايا رخصة».