رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

بيت «ماما سلوى» مشغل مجاني لتعليم السيدات.. 50 سنة في حب «الهاند ميد»

كتب: سمر صالح -

05:50 م | الإثنين 04 يناير 2021

ماما سلوى وسط سيدات «الهاند ميد»

ملامح من زمن جميل، وابتسامة تكشف عن أسنان متساقطة من العجز تملأ قلوب الناظرين إليها دفئا يضاهي أشعة شمس اخترقت ستائر المنازل في يوم شتوي، ملأ الشيب رأسها وارتسمت خطوط الوهن العريضة على وجهها، وظلت تقاوم مرضًا خبيثا غير مكترثة بآلامه التي تباغتها في جوف الليل وبكرة الصباح، تثاقلت خطواتها لكن منزلها بات مقصدًا لعشرات السيدات الباحثات عن خبرة بمجال الخياطة والتطريز، يهتدون إليه من أصحاب المقاهي والمحال المتراصة على جانبي شارعها، يصدح من نوافذه نهارًا ضوضاء ثرثرات نسوية عابرة أثناء التدريب والعمل، لا تصدع رأسها منهن ولا تمل، تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلًا.

حولت منزل العائلة لمشغل لتدريب السيدات مجانا منذ 3 سنوات لشغل وقت فراغها

قبل 3 سنوات سكنت إيقاع حياة «فاتن مصطفى»، أو كما تعرف باسم الشهرة «ماما سلوى»، بعد زواج أبنائها الخمس بما لم تعتاده من قبل، يضيق صدرها من السكون والرتابة فاتخذت قرارًا فرديًا بالعودة إلى جذورها وأساس عملها في مهنتها التي أفنت بها شبابها، حزمت أمتعتها واستقلت سيارة أجرة اتجهت بها نحو منزل العائلة بحي غمرة العريق، نفضت غبار الزمن عن أثاثه وعزمت البقاء به بعد تحويله إلى مشغل خيري لتعليم الفتيات والسيدات شتى فنون المشغولات اليدوية «الهاند ميد»: «مبحبش الفراغ والوحدة قررت أفتح بيت العيلة لتعليم الستات الأرامل والمطلقات والمعيلات صدقة على روح أمي وأبويا»، قالت العجوز البالغة من العمر 70 عاما في بداية حديثها لـ«هن».

شتلات خيط وإبر بأحجام متفاوتة، وحبات خرز ملونة تملأ أركان غرفتها، التي تحوي سريرا ودولابا خشبيا من طراز الزمن الجميل، الأدوات المبعثرة حفظت طريقها فلا تهتم بترتيبها يومًا، تستقيظ «ماما سلوى» من غَفوتها مع شروق الشمس على صدُوح إذاعة القرآن الكريم بالتواشيح الدينية من المقاهي والمحال الملاصقة للبيت، تحكم قبضتها على عصاها، رفيقة خطواتها، وتشرع بالوضوء ثم تنصرف نحو القبلة تتضرع إلى الله بالصلاة لشفائها وتبقى على هيئتها ساعات قليلة حتى يطرق باب شقتها القابعة في الدور الأخير من البيت أول سيدة تأتي لطلب العلم والخبرة من عجوز نازل الزمن من صحتها، ولم ينتقص شيئًا من حرفتها: «ببدأ استقبل السيدات من 8 الصبح وبيفضل البيت مفتوح طول اليوم لحد ما يمشوا بليل براحتهم مفيش معاد محدد بيمشوا فيه».

تستقبل السيدات من الثامنة صباحا حتى آخر الليل ويلقبها تلاميذها بـ«ماما سلوى»

بـ«حضن» وقٌبلة على يد وجبين «ماما سلوى» تعبر السيدات باب الشقة، تستقبلهن بابتسامة معهودة لا تغيب، لكل واحدة منهم مكانًا محفوظًا، يجلسن متقاربات وقد امتلأت أيديهن بالخيط وحبات الخرز يستمعن إلى نصائح العجوز السبعينية ويبدأن التنفيذ فورًا، تروي لـ«الوطن» سنوات شبابها وبداية عملها بـ«الهاند ميد» وهي جالسة على الأريكة مرتدية عباءة زرقاء لونها ممسكة بإبرة خيط بيدين مكرمشتين: «وأنا في العشرينات من عمري سافرت مع جوزي شغله في السعودية وبدأت أعاني من فراغ كبير، حبيت أشغل وقتي بالحاجة اللي بحبها»، وسرعان ما تحولت الهواية إلى حرفة امتهنتها بعد عودتها إلى مصر عام 1992 ثم بدأت توسيع نطاق عملها بالمشاركة في معارض المشغولات اليدوية المختلفة.

اختلاطها بالسيدات المترددات على المعارض شكل لديها قاعدة بيانات كبرى من العاملات في تلك المهنة، دشنت صفحة على فيس بوك ذلك العالم الافتراضي الذي لا حدود له جمعها من خلال الصفحات المعنية بـ«الهاند ميد» بسيدات تهتم بتلك الحرفة ما شجعها على الاستفادة من صاحبات الخبرة منهن لتدريب المستجدات في مشغل «غمرة»: «بييجي أساتذة جامعة كمان يتدربوا عندي في البيت وكله مجانا لوجه الله، عشان نساعد السيدات اللي بتصرف على ولادها وبتساعد أزواجها»، بحسب العجوز السبعينية.

انتقصت «ماما سلوى» كما يلقبها تلاميذها، من حكايتها الكثير ما زال في خزانة ذكرياتها تفاصيل تخشى الاقتراب منها، حتى لا تسقط القشرة الواهية التي تسند روحها، جلست في تركيز شديد تنظر إلى رأس الإبرة من خلف نظارتها الطبية تحاول «لضم» الخيط بها: «رغم ظروف تعبي بسعى الأيام دي عشان أعمل أول نقابة للهاند ميد في مصر» حرصا منها على دعم العاملين في تلك المهنة والحفاظ على حقوقهم ومساعدتهم على ترويج منتجهم، أضافت إليهن الكثير من خبرتها وأضفن إليها خصلة جديدة: «اتعلمت منهم الصبر والكفاح»، بحسب وصفها.

سماح محمد الشهيرة بـ«سلسبيل»، انضمت إلى مشغل «ماما سلوى» كمتدربة في البداية، وباتت مدربة لأعمال الخرز والكورشية للمستجدات في المجال: «بنتجمع كمان في الأعياد والإجازات، ناكل مع بعض ونهزر ونقضي وقت»، باتت واحدة من الأساسيات بالمكان بعد أن احترفت المهنة من «ماما سلوى»: «ساعدت بيتي وبقى ليا مصدر دخل من الشغلانة دي»، بحسب تعبيرها.