رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

دفا البيت بعد برد الشارع.. حفل زفاف بدار إيواء "مفيش وحدة من النهاردة"

كتب: سمر صالح -

10:02 ص | الإثنين 14 سبتمبر 2020

جانب من حفل زفاف بدار إيواء

فرحة مضاعفة بعد العناء وطول الطريق، المتعة ليست في اجتياز الرحلة فحسب ولكن للوصول لذة خاصة إذا سبقها معاناة عاشها عروسان أعينهما لا تزوغ عن بعضهما وكأنما خلا المكان من حولهما إلا منهم، لا يصدق هو ارتداءها للأبيض ولا تدرك هي كيف يبدو وسيما في بدلة أنيقة على مقاسه، كانوا قبل سنوات قليلة مشردين في مواجهة حياة صعبة مرت الدقيقة فيها دهراً كاملاً، وبين هذا وذاك مرت سنوات طويلة من أعمارهم حتى أحدث الله أمرا، وبدل العسر يسرا وألف بين قلوبهم.

قبل 4 سنوات وفي صباح أحد الأيام، اتخذ صلاح الدين محمد، قرارا بمغادرة بيته متجهًا إلى الشارع مضطرًا، ودع أبناءه الأربعة تاركًا إياهم مع أخت زوجته التي تولت رعايتهم بعد وفاة والدتهم،" مراتي كانت السند ليا في الدنيا ماتت وسابتني وظروفي ساءت بيعت عفشي وشقتي وقررت أعيش في الشارع"، يقول الرجل الخمسيني في بداية حديثه لـ"الوطن".

صلاح اضطر لحياة الشارع بعد وفاة زوجته وبيع عفشه وشقته وترك أبناءه مع خالتهمحياة أصعب من أن يصفها بمجرد كلمات، واجه خلال صلاح أنواع شتى من المصاعب بمفرده، ربما كان أيسرها برودة ليلة شتاء قارسة لا دفئ فيها، ونظرات المجتمع التي تخترق جسده كالسهام، كانت ضاقت عليه الأرض واتخذ قرارًا بالذهاب إلى دار إيواء بعد أن تداعى جسده بالمرض، تذكر حديث المشردين من حوله حين مرة عن مؤسسة معانا لإنقاذ إنسان فاستجمع شجاعته وتوجه إليها بكامل رغبته،" روحتلهم قولتلهم تعبت وعايز أخلص من حياة الشارع"، فما كان من القائمين على دار الإيواء الذي أسسه محمود وحيد وتديره معه شقيقته شيماء وحيد إلا أن أحسنوا استقباله وبات نزيلًا معهم في دار الرجال، يرتدي ثيابًا نظيفة ويأوي كل ليلة إلى فراش مرتب، يستفيق وسط نومه في ظلام الليل يتحسسه جيدًا وكأنه يتأكد من أن الأمر بات واقعًا وليس حٌلمًا.

نحو 4 أيام فقط مرت حتى بدأ الرجل الذي ترك الشارع أثاره على ملامح وجهه المرهق، يبحث عن مورد رزق له بالدار، لم يلبث أن عرض رغبته على المسؤولين حتى كلفوه بالعمل معهم كسائق ينقل احتياجات الدار بعد التأكد من سلامة قواه العقلية،"اسشتغلت معاهم سواق لإني كنت شغال في المهنة دي قبل ما اتنقل لحياة الشارع"، بحسب تعبيره.

مر وقتًا ليس بالقليل حتى استقبلت المؤسسة نزيلة جديدة، "نورا" التي تركت فراشها على أحد أرصفة شوارع منطقة تقترب من عامها الأربعين، جاءت إليهم برغبتها لللتخلص من أيام جعلتها، رغم عمرها الذي لم يتجاوز الأربعين عاما، كالموتى وسط الأحياء،"جيت الدار بعد 4 سنين تشرد في الشارع عانيت فيهم كل أشكال المعاناة"، تقول النزيلة في دار السيدات في بداية حديثها لـ"الوطن" عن رحلتها من الشارع إلى دار الإيواء الذي التقت فيه بنصفها الثاني وشريك حياتها المقبلة"صلاح".نورا كانت تفترش أحد أرصفة شوارع الهرم وجاءت إلى الدار بنفسها بعد 4 سنوات في الشارعكانت"نورا" تعاني من عجز في قدمها، تم علاجها وبعد التأكد من سلامة قواها العقلية باتت تشاركهم في أعمال المطبخ بالدار، وبحسب رواية محمود وحيد، صاحب مؤسسة معانا لإنقاذ إنسان، التقى الثنائي نورا وصلاح خلال أحد الفعاليات والأنشطة التي يتم تدشينها للنزلاء، وبعد أن لفتت نظر صلاح طلب يدها رسميًا منه حتى تمت الخطبة بعد موافقة العروس.

داخل أحد غرف دار معانا بفرع منطقة الدقي، وبنما ارتفع صوت الأغاني والزغاريد بالخارج، كانت العروس"نورا" تجلس على كرسي مستسلمة لأصابع يد أحد خبيرات التجميل التي تختار ألوان"الميكب" لها بعناية حتى تظهر في أبهى صورة، تستعد لـ"ليلة العمر" التي لم تصدق أنها جاءت حتى اللحظة التي كانت تتحدث فيها لـ"الوطن" رغم فرحتها وانشغالها تصمت "نورا" استسلاما لنوبة حزن انتابتها ثوان معدودة وكأن سنوات التيه والمعاناة مرت أمام عينيها لتعود إلى استرسال الحديث "كنت عايزة أعيش ولقيت اللي راضي بظروفي وعايز سند يكمل معاه حياته وافقت عليه عشان نكمل الرحلة مع بعض".منذ اللقاء الأول الذي جمع صلاح بعروسه نورا اتفقا على أن يتقاسما أيامهما معًا، الضراء قبل السراء، "قولتلها مليش دعوة باللي فات وهي متقبلة ولادي"، ولا تمانع "نورا" التي بات إسمها على مسمى أضاءت به عتمة أيام"صلاح" من زيارته من حين لآخر لأبناءه الأربعة.

سُلم طويل يفضي إلى ساحة امتلأت بالرقص والغناء، وكوشة محاطة بإضاءة وزينة ومعازيم يتراقصون فرحًا وكأنهم يثأرون من أيام غابت فيها ضحكاتهم في انتظار العروسين "نورا وصلاح"، حتى ظهرا للجميع متجاورين متشابكي الأيدي في لحظة عبر عنها العريس بقوله،"حاسس إني هموت من الفرحة وكإني أول مرة أتجوز، كنت عايز حد يشاركني حياتي الجاية"، وبعد أن أعلن المأذون إتمام مراسم الزواج فاضت أعينهم من الدمع فرحًا بمشهد كان في تعداد الخيال بالنسبة لهما، يستعدون لحياة جديدة لا وحدة فيها بعد اليوم.

برنامج "أتوبيس السعادة" للإعلامي أحمد يونس المذاع على "دي إم سي"، شارك في سعادة الثنائي، من خلال إقامة حفل زفافهما مجانا، متكفلا بمصروفات مكياج العروس وفستانها الأبيض الذي تجملت به في "ليلة العمر"، كما شهد المذيع على عقد قران الثنائي المحبان لبرامجه، لتتضاعف فرحتهما في ذلك اليوم الاستثنائي في حياتهما.