رئيس التحرير:

محمود مسلم

رئيس التحرير

محمود مسلم

علاقات و مجتمع

حكاية منى "متشردة الدقي": جوزي حرمني من بنتي ورماني في الشارع

كتب: هبة حسنين -

07:36 ص | الإثنين 16 مارس 2020

عنف زوجي - صورة تعبيرية

عالمها صغير، عبارة عن كراسات تلوين وأقلام وبراية، لا تكف عن التلوين سواء كانت تجلس منفردة أو بصحبة أحدهم، كأنها تريد أن تصبغ دنيتها بألوان مبهجة، بابتسامة عريضة تكشف عن أسنانٍ غير متساوية، تمسك بأحد كراساتها وتسأل بفخر وكأنها تعرف الإجابة مسبقاً: "إيه رأيك في التلوين ده؟".

هي منى أحمد موسى، 65 عاما، كانت مشردة تعيش على رصيف في شارع التحرير بالدقي، تتنقل من مكان إلى آخر، ثم أصبحت نزيلة في "دار الحبيب للرعاية الإنسانية" التي تأوي السيدات المشردات، وتقع في منطقة بولاق الدكرور، تبدو "منى" من الوهلة الأولى اجتماعية، متفائلة، خفيفة الظل، ضحكتها لا تفارق وجهها حتى لو لم يكن أحد في صُحبتها، تخرج من غرفتها مع شقشقة الصباح وشروق الشمس وتعود إليها عندما يغالبها النوم لترقد على سريرها دون أن تعكر صفو أيامها بالتفكير في الماضي.

بدون قصد أخذناها في المساحة التي لا تريدها، سبرنا أغوار ماضيها، ذكرناها بابنتها "إنجي" التي اُختطفت من أحضانها، نكأنا جرحاً قديماً.. فسالت دموعها: "أنا من مركز فاقوس في الشرقية، أهلي جوزوني صغيرة لواحد أكبر مني بكتير، كان متجوز وعنده عيال وقعدت معاهم في بيت العيلة، ضربوني وعذبوني وبهدلوني، كانوا بينادونى بـ(يا هبلة)، وأنا كنت صغيرة وما بسبش لحد كلمة، لما كان حد يكيدني في الكلام أرد عليه من حمقتي، بس في آخر اليوم أعيط وتصعب عليا نفسي".

رُزقت "منى" بطفلة سموها "إنجي"، كانت بمثابة قطعة السكر التي جاءت لتحلي أيامها، هكذا اعتقدت قبل أن تؤخذ الطفلة الصغيرة من بين أحضانها بينما يُلقى بها في الشارع: "حرموني من بنتي، خدوها وأنا مشبعتش منها، مشيت في الشارع بالهدوم اللي عليا، ركبت القطر وفى أول محطة نزلت قعدت في الشارع، وكل فترة أركب قطر أو أوتوبيس وأنزل في أي مكان من غير ما أعرف ده فين وأفرش وأقعد، وأهل الخير بيساعدوني بأكل، فلوس، هدوم".

انتقصت "منى" من حكايتها الكثير، مازال في خزانة ذكرياتها مآسي وأحزان عاشتها، لكن يبدو أنها تخشى الاقتراب منها، حتى لا تسقط القشرة الواهية التي تسند روحها، سألناها عن حياة الشارع، أين عاشت وكيف نامت ولماذا لم تفكر في العودة إلى أهلها في الشرقية؟ فكان ردها: "ايه رأيك في الرسمة دي؟".

ذات صباح وبينما أشهرت سامية عبد الحفيظ دار الرعاية، وأكملت إجراءات ترخيصها لبدء استقبال السيدات المشردات، جاءتها "منى" لتكون أول نزيلة، امرأة في العقد السادس من عمرها، تبتسم دائماً وكأنها تريد أن تصدر صورة أخرى مناقضة لما يدور بداخلها، ما زالت سامية عبد الحفيظ مديرة الدار، تتذكر ذلك الظرف الكبير الذي كانت تخفيه "منى" تحت إبطها وتظهر منه أوراقاً بيضاء.

ظنت في البداية أنها أوراق ثبوتية، لكنها عندما فتحته وجدت كراسات تلوين وأقلام: "منى دي فاكهة الدار، على طول مبتسمة ومعندهاش مشكلة مع أي حد، طول الوقت شاغلة نفسها بالتلوين ولما حد ييجي يزورنا من المتطوعين بيجيب لها هدايا عبارة عن ألوان وكراسات تلوين، هي الوحيدة اللي مفيش أي حد بيسأل عليها من أهلها، حاولنا نوصل لهم بشتى الطرق وفشلنا، محدش يعرف عنها أكتر من اللي قالته، وأكيد عندها تجارب مؤلمة من حياة الشارع محكتش عنها حاجة".

وكشفت "سامية" عن إصابة "منى" بجلطة في قدمها، تجعلها منتفخة وشديدة الاحمرار ولا تقدر على المشي إلا باستخدام كرسي متحرك: "محتاجين نعملها أشعة عشان نشوف تأثير الجلطة وصل لفين ونشوف هل محتاجة أدوية معينة أو علاج طبيعي".