امرأة قوية
والدة عهد التميمي

داخل غرفة صغيرة قاتمة، تبعث بالكآبة واليأس في معتقل إسرائيلي، أمضت ناريمان التميمي الناشطة السياسية ووالدة المناضلة عهد التميمي، عقوبتها لمدة 8 أشهر، وسط تعاطف المجتمع العربي والدولي مع "آل التميمي"، لتنتهي مدة الاعتقال باستقبالها بالورود والزغاريد وعبارات المحبة والفخر.

"الوطن" تواصل هاتفيًا مع "ناريمان"، للحديث عن تفاصيل اعتقالها، والأزمات التي مرت بها طوال فترة سجنها، وخططتها المستقبلة لاستكمال نضالها.

- ما ملابسات اعتقال الاحتلال الإسرائيلي لكِ أثناء التحقيق مع ابنتك "عهد"؟

الاحتلال تحفظ عليّ داخل مركز تحقيق تابع للأمن الأسرائيلي المتواجد به عهد، عند مطالبتي بحقي القانوني في حضور استجوابهم لها لمدة 5 ساعات، رافضين تواجدي لتحقيق جهة مخابراتية معها، بعد اقتحامهم قرية "النبي صالح"، وإرهابنا بأصوات حشد من السيارات العسكرية وإضاءات الليرز الصادرة من الأسلحة داخل المنزل، الذي اقتحموه بأقدامهم، دون مراعاة حُرمة البيوت، لاعتقال ابنتي، التي سحبوها بالقوة للخارج، ولم أجد سوى أن أطمئنها بعبارات "لا تخافي حبيبتي، أنتي قوية"، وسط محاولاتي لتوثيق ما حدث بكاميرا الهاتف، لكن أحد الجنود أخده منى، وسحب كافة أجهزة "لاب توب" والهواتف.

وتفاجأت عقب انتهاء التحقيق مع عهد، باستجوابي لعدة ساعات، موجهين لي عدة تهم، منها التحرض على العنف والتظاهر لمجرد وضعي صورة أخي الشهيد على حسابي عبر "فيس بوك"، ولكني التزمت الصمت بجميع الأسئلة، ورفضت التوقيع على محضر التحقيق، ليخبرني ضابط التحقيقات بعدم توقيع عهد مثلي، وبعدها أمروا باعتقالي ووضعي في غرفة واحدة، لأضم ابنتي الباكية في أحضاني، وأدعمها نفسيًا، معربة عن فخري بيها، ليتم ترحيلنا إلى السجن داخل عربة كبيرة تسمى "بوستة"، المكونة من زَنازين صغيرة، وكراسي حديدية "مسكرة على كل معتقل"، ومعانا جنائيين إسرائيليين، تحرشوا بابنتي لفظيًا وسبوها، وبعد وصلونا المعتقل، سُكنت "عهد" في غرفة منفصلة عني.  

-من رافقكي من المعتقلات بغرفتك؟

جلست في حبس انفرادي في غرفة رقم "9"، على بعد سنتيمترات من غرفة ابنتي رقم "3"، التابعة لقسم القاصرات، حيث شاركها الحبس 3 فلسطينيات، وهن: "لما البكري" و"هدية "علينات" و"منار شويكي".

- كيف تواصلتي مع "عهد" بالمعتقل؟

انتظرت حتى الساعة العاشرة من صباح كل يوم، حتى يُسمح للمعتقلات بالخروج في ساحة صغيرة بالسجن حتى الواحدة والنصف ظهرًا، لاطمئن عليها، كما يتاح لنا بالتواجد بالساحة منذ الثانية والنصف ظهرًا لمدة ساعتين ونصف في بعض الأحيان، لأتمكن من رؤيتها مجددًا، مع حرصي على عدم احتضانها وتقبيلها باستمرار، مراعاة لمشاعر القاصرات المفتقدات لأمهاتهن، مع محاولتي احتوائهن، وتعويض غياب أسرتهن بضمهن بين ذراعيي، وتضفير شعرهن. 

- ما هي الضغوطات التي تعرضتي لها في السجن؟

عدم السماح بالزيارات العائلية إلا في أضيق الحدود، ومعرفتي بأخبار اعتقال واستشهاد أقاربي وجيراني من الراديو، وسط عجزي عن مساندة ذويهم، بالإضافة إلى منع ابنتي من زيارتي في الغرفة، ورفضهم حضوري جلسات التحقيق معها، التي أجريت 4 مرات، فضلًا عن منع القاصرات من المذاكرة، ما أدى لإضراب السجينات عن وجبة الفطور، وعدم الخروج من الغرف في الوقت المسموح لنا في الصباح، بالتنسيق مع ممثلة المعتقلات "ياسمين شعبان"، احتجاجًا على حرمانهن من التعليم، لتستجيب سلطات الاحتلال بعد 3 ساعات لمطلبنا، "لأنهم بيخافوا تحصل أي بلبلة في السجن النسائي"، من خلال السماح بدخول الكتب الدراسية للقاصرات، والموافقة على إجراء الامتحانات داخل المعتقل بالتنسيق مع الصليب الأحمر.

- ماذا عن مكونات الوجبات الغذائية داخل السجن؟

تتكون وجبة "الإفطار" من خيار أو طماطم "ذبلانوة" وخبز، بالإضافة إلى علبة لبن صغيرة في بعض الأحيان، فيما تحتوى وجبة العشاء على أرز وخضروات نيئة، نطهيها داخل المعتقل، وهى أغذية متوسطة الجودة، ما جعل العديد من المعتقلات تفضلن شراء أطعمة من "الكانتين".

- هل تعرضتي لأحد أشكال من العنف داخل سجن الاحتلال؟

لم يعتد الجنود علّي بالضرب أو التعذيب طوال مدة اعتقالي، لكنم كانوا يسبونني باللغة العربية أحيانا، مع التزامي بضبط النفس والصمت.

- كيف كانت حالتك الصحية في السجن؟

لا أتذكر أني تعرضت لوعكة صحية شديدة، لكني تألمت كثيرًا، لإصابة ابنتي بآلام في المعدة، بسبب ضغوط نفسية، دون تمكني من زيارتها، وسط تجاهل السَجَانات طلبنا بإحضار طبيب نساء إليها، مكتفين بإعطاها مسكن ضعيف المفعول، حتى ذهب الوجع بعد فترة، وكنت أنادي على رفيقاتها بالمعتقل من وراء باب غرفتي، ليطمئوني عليها، ولكن لاحظت وجود أمراض مشتركة بين معظم المعتقلات، ممثلة في عدم انتظام الدورة الشهرية، وانقطاعها لعدة أشهر دون سبب واضح.

- ما تعليقك على ملاحظة الكثيرين اكتساب ابنتك وزن زائد؟

"كل البنات بيزيد وزنهن، لما يفوتوا على المعتقل"، نتيجة قلة الحركة، فالساحة التي نخرج بها ضيقة للغاية، وتتحشد بها ما يزيد عن 32 سجينة، ولا تسمح بممارسة أي نشاط، فضلًا عن مكوثهن طوال فترة تواجدهم في غرفتهن الصغيرة دون حركة، وتفضيلن شراء البطاطس والشوكولاتة والوجبات السريعة، مثل بقية قرنائها بتلك المرحلة العمرية، ما أدى لاكتسابها المزيد من الوزن.

- كيف احتفلتي بعيد الأم داخل المعتقل؟

لم يكن يومًا مميزًا، لأني لم أقضيه ببيتي، ولكن البعض حاول إسعادي، حيث هنأتي عهد شفاهةً، كما سمحت لي السلطات الإسرائيلية برؤية بعض أفراد أسرتي وأنا مقيدة وراء قضبان المحكمة لبضع دقائق، فيما قدمت معتقلة تُدعى "آية" منتجات مطرزة للأمهات السجينات، مدون عليها الحروف الأولى من أسمائهن، ورسمت المعتقلة إسراء جعابيص لوحة لي، رغم فقدانها 8 أصابع وحرق وجهها وظهرها، وحاجتها لإجراء 11 عملية، في ظل تعنت الاحتلال.

-هل أرسلتي خطابات من داخل السجن لأهلك وأصدقائك؟

لم أفكر في ذلك، لأن الرسائل تصل بصعوبة شديدة بعد ما يقرب من 4 أشهر، لذلك كنت أطمئن عائلتي عن طريق المحامية الموكلة لنا.

- لماذا هاتفتي بـ"دم عزالدين التميمي" بعد إطلاق سراحك، ألم تخافي من احتجاز الجيش الإسرائيلي لكي من جديد؟

تصرف بعفوية في ذلك الموقف، وهاتفت بتلقائية وبوجع على ابن عمي "عز"، الذي علمت بنبأ مقتله من الراديو أثناء اعتقالي، دون التفكير في ترديد الحشود المتواجدة لاستقبالي،  ودون الخوف من بطش الاحتلال، لاتجه نحو منزله مُعزية والدته، قبل التوجه إلى أمي.

- ماذا عن ابنك وعد المحتجز لدى السلطات الإسرائيلية؟

أُلقى القبض عليه أثناء اعتقالي، لمناهضته الاحتلال بطريقة سليمة، وسأحضر أول محكمة له يوم الأحد المقبل، بصحبة أخواته عهد ومحمد وسلام، وأتوقع ألا تتجاوز مدة عقوبه الـ18 شهرًا.

- ما هي أهم المبادئ التي ربيتها عليها أبنائك؟

حرصت على زرع أمرين في أبنائي، أولهما أن فلسطين ستظل وطننا مهما طال الاحتلال، ويجب علينا الدفاع عنه والنضال لأجله دون استسلام، بالإضافة إلى أني حررتهم من "السُلطة الأبوية"، وأعطيتهم الحرية في قراراتهم واختيارتهم، فليس من المنطقي أن أطالبهم بتحرير وطنهم وأنا اُقيدهم بخوفي عليهم، فمثلاً لم أتدخل في قرار اختيار عهد للجامعة التي ستدرس فيها الحقوق، في ظل العروض المقدمة من جامعات فلسطينية وأوروبية، وهى لا تزال تفكر حتى الآن في الأمر.

 

- من وجهة نظرك.. لماذا تحولت عهد التميمي إلى أيقونة نضال؟

لأنها بدأت مقاومة الاحتلال منذ أتمت العشر سنوات، وشاركت في العديد من الفعاليات السليمة المناهضة للاحتلال، ووصفها الكثيرون في قريتها "بني صالح" بـ"رمز النضال" منذ سنوات، قبل تسليط الإعلام الضوء عليها، واعتقد أن تحولها لـ"أيقونة" على المستوى الدولي، أتى بفضل تدرجها في العمل السياسي وشجاعتها، وليس لكونها جميلة، كما يحاول البعض التقليل من دورها.

- كم مرة تعرضتي للاعتقال بالسجن الاحتلال الاسرائيلي؟

اُعتقلت 6 مرات على مدار ما يزيد عن 20 عامًا، بتهم مختلفة، أبرزها إثارة الشغب، والمشاركة في مظاهرات.

- ما هى رؤيتهم المستقبلية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي؟

ستظل أسرة التميمي تنضال من أجل تحرير وطنها بكافة الطرق السليمة، وسنركز خلال الفترة المقبلة على تعليم ابنتها القوانين الدولية، للمطالبة بحق فلسطين في الجهات الدولية.

أخبار قد تعجبك