هي
منة خالد

بعينيها التائهتين تتأمل بعناية تفاصيل غرفة حفيدتها، مستنشقة ملابسها، علها تجد ريح "منة" مختبأة بين طياتها، مخاطبة كتبها ومقتنياتها الدراسية، القابعة بين أحضانها "حاجاتك تحزن عليكي يا حبيبتي، كده تمشي وتسبيني"، قبل أن تغالبها الدموع، وسط تأثر أشقائها الثلاثة، الغارقين في الصمت والذهول، مستسلمين لترتيل الشيخ سيد النقشبندى لآيات القرآن الكريم بالراديو، راضين بابتلاء سقوط شقيقتهم من الطابق الـ11.

"قريت سورة النحل، قبل ما تحضر الدرس وتروح لقضاها برجليها".. بهذه الكلمات استرجعت هدى أبوطالب فاجعة وفاة حفيدتها، لتروي لـ"هن"، أن منة خالد اختل توازنها، أثناء وقوفها أمام الشرفة، لرؤية أصدقائها المغادرين من منزلها، بعد إصرار مدرس الرياضيات على إنهاء الدرس، لانخفاض ضغطها وفقدانها القدرة على التركيز، ووسط انشغال أسرتها بإعداد الطعام.

مكالمة هاتفية من جار الجدة الخمسينية، يخبر فيها بسقوط أحد سكان عقارها، فتهرول إلى النافذة، لتتعرف على هوية الضحية، قبل أن تُصدم بسقوط حفيدتها، فتسابق والديها وأشقائها على السلم لرؤيتها، فتظفر والدتها بالوصول لها، قبل مغادرة روحها لجسدها النحيف بثوان، فتمد الابنه يديها تجاهها، مستنجدة بها من هول الموت دون جدوى.

عقب ساعة من وقوع الحادثة، تزاحم الأصدقاء والأقارب على منزل صاحبة الـ16 ربيعا، ليجدن شقيقها مازن، الذي لم يتجاوز الـ10 سنوات، يتلقى العزاء، محاولا التماسك، وتَقَبل عدم سماعه لـ"حكايات قبل النوم" بصوتها العذب، مستأنسا بسيرتها الطيبة مع الآخرين، راويا: "منة طلعت الأولى على المدرسة من أسبوعين كالعادة، بس مرحيتش، علشان تذاكر وتلعب معايا، وتكمل قراية راوية جديدة"، ليشرد نظره تجاه مكتبتها، المحتوية على 120 كتابا باللغتين العربية والإنجليزية، جمعتهم منذ دخولها المرحلة الإعدادية.

"الخوف من ظُلمة القبر"، شغل خاطر الطالبة المتفوقة خلال أيامها الأخيرة، ليحكي شقيقها الأصغر: "أختي أتأثرت أوي بموت عمو أحمد خالد توفي"، ممسكا بهاتفها المحمول، ليتجول في حسابها على "فيس بوك" الممتلئ باقتباسات عن مفارقة الحياة، بينها: "أنا يا رفاق أخشى الموت كثيرا.. ولست من هؤلاء المدّعين الذين يرددون في فخر طفولي، نحن لا نهاب الموت.. كيف لا أهابه وأنا غير مستعد لمواجهة خالقي"، كما شاركت مقطع فيديو لآية الكرسي مدون فوقه: "ماذا لو كان مشاركة القرآن آخر أعمالك"، لتتحقق أمنيتها بـ"حسن الخاتمة".  

جهود مستمرة تبذلها الجهات المعنية، لمعرفة ملابسات الحادثة، ممثلة في إحالة اللواء عصام سعد، مدير أمن الجيزة، الواقعة إلى النيابة العامة التى باشرت التحقيقات، لتكشف التحريات الأولية التى أشرف عليها اللواء إبراهيم الديب، مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة، أن المتوفاة 16 سنة، طالبة بالمرحلة الثانوية، واختل توازنها داخل شقة أسرتها بالطابق الحادي عشر، وسقطت فلقيت مصرعها في الحال، وسط نفي ما تردد عن انتحارها امتثالا لتعليمات لعبة الحوت الأزرق.

الكلمات الدالة

أخبار قد تعجبك