امرأة قوية
ضحية أوليكس

داخل غرفته الصغيرة، جلست شقيقة قتيل موقع "أوليكس"، تتحس مقتنياته المبعثرة، دون أمل في مجيئه لإعادة ترتيبها بعد اليوم، فيداعب صوته أذانها، لتنتفض فرحا بحثا عنه دون جدوى، مستسلمة لسماع صوته داخلها فقط، مسترجعة ذكرياتهما، مع احتضانها ملامحة لتسنشق رائحته، وتوهم نفسها بوجوده، غارقة في دوامة "صدمة فقدانه"، بعد وقوعه "ضحية" نصب، أدت لمقتله بمنطقة مساكن الشيراتون.

حبه للتفوق في دراسته، دفع محمد عبد العزيز الطالب بالصف الثالث بكلية الهندسة جامعة بنها، لإدخار 25 ألف جنيه لمدة عامين كاملين، لشراء "لاب توب" بامكانيات عالية، يساعده في إنجاز الأبحاث والمشاريع الدراسية، لتروى نسمة شقيقة الضحية لـ"هن":"كان بيحوش من الـ15 جنيه، اللي بابا بيدهاله مصروف كل يوم، لإنه مابيشتغلش"، مع مساعدة والدته، التي باعت أسوار وخواتم من الذهب، لتحصيل المبلغ، بعد اتفاقه مع أصحاب إحدى الإعلانات على موقع "أوليكس" لمقابلتهم بمنطقة المنتزه، لدفع ثمن ذلك الجهاز الإلكتروني.

"أنا خايفة يحصلك حاجة في الحتة المقطوعة ديه.. بلاه المشوار والنبي .. أنا قلبي مقبوض"، آخر كلمات سمعها "عبدالعزيز" من والدته، قبل الذهاب لمصيره "الموجع"، ليطمنها بأن أصحاب الإعلان اختاروا ذلك المكان النائي، لخوفهم من وقوع حوادث سرقة في التجمعات المزدحمة، فتنفذ تلك الكلمات لمسامع والدته، دون أن تخترق قلبها الخائف، لتستسلم لانهيارها بالبكاء عقب مغاردته المنزل، مع فشل محاولة ابنتها في تهدأتها، التي تسلل لها شعور بالخوف على شقيقها، دون وجود سبب واضح، لتشاطر والدتها البكاء.  

الصدفة جمعت "طالب الهندسة" بخاله في الشارع، الذي عرض عليه إيصاله للوجهة التي يريدها، ليفاجئه على كوبري الدائري، بنزوله بالقرب من مسجد المؤسسة بمنطقة المرج قرابة الساعة الثالثة عصرا، على الرغم أن مكان المقابلة بمساكن "شيراتون" بالمنتزه، وفقا لرواية "نسمة".

الفرغ والخزف تملكان جميع أفراد أسرة الشاب العشريني، لعدم رجوعه المنزل، ليتجهوا مع مجموعة من زملائه، إلى قسم المرج للإبلاغ عن فقده، فتمنعهم اللوائح بإتخا ذلك الإجراء، قبل مضى 24 ساعة على الواقعة، ليذهبوا لـ"كمين الشرطة" على كوبري الدائري، بهدف الاطمئنان على عدم وجود اسمه ضمن "المقتولين والمفقودين" بمنطقة، وبعدما ذهبوا لقسم شرطة "شيراتون" في السابعة صباحا، ليعثر رجال الشرطة على جثة مجهولة الهوية بعدها بساعات، والتحفظ عليها بمشرحة "زينهم".

بخطى أثقلها الخوف والتردد، ذهب ابنه خال "عبد العزيز" لتنفيذ "المهمة الموجعة" الخاصة بالتعرف على الجثة، المشوهه بطنعات في البطن والظهر، مصابا بحالة من الذهول، رافضا قبول حقيقة أن الجسد الراقد أمامه هو "ابنه عمته"، ليبلغ ضابط الشرطة بالأمر، الذي واسى والد القتيل هاتفيا قائلا:"شد حيلك.. إن لله وإنا إليه راجعون".

"أنا اللي إديتك الفلوس.. يارتني منعتك تروح".. كلمات تتمتمها والدته، عند عملها بصدق نبوئة قلبها، وعدم رؤيتها لابنها، وضمه بين حضنها بعد اليوم، وسط مساعِ نسمة "الفاشلة"، لتخفيف وطأ فاجعة فقد "عبد العزيز"، مطالبة منها احتسابه شهيدا والاستمرار في الدعاء له.

ساعات طويلة من الصمت تقضيها أسرة "ضحية أوليكس"، فهناك كان يطلب من والدته الدعاء للحفاظ على تقدير "إمتياز"، وفي الصالة ارتفع صوته مشاجرا شقيقته على أمر تافهه كعادتهما، وأمام التلفزيون هتف فرحا بفوز فريقه المفضل "الأهلي" على "مونانا"، في آخر مبارة شهدتها مع والده، لتختم نسمة حديثها"وحشني خناقنا مع بعض، أنا راضية بقضاء ربنا، ووراثقة إني هقابله في الجنة".

وكانت الأجهزة بمديرية أمن القاهرة ألقت القبض على متهمان لم يتجاوزن الـ18 عاما، بدائرة قسم شرطة عين شمس، وبحوزة الأول سلاح أبيض "مطواة"، والثاني سلاح أبيض "سكين"، المستخدمان في الواقعة.

واعترف المتهمان، بعد مواجهتهما، بارتكابهما الواقعة بقصد السرقة، وأضاف الأول بأنه نظرًا لمروره بضائقة مالية خطط لاستدراج أحد الأشخاص عقب إيهامه برغبته في بيع جهاز "لاب توب"، من خلال موقع التسوق الإلكتروني المشار إليه، وسرقة متعلقاته الشخصية كرهًا تحت تهديد الأسلحة المضبوطة بحوزتهما.

أخبار قد تعجبك