امرأة قوية
نادية بشار

استخدمت صفحتها الشخصية على موقع التواصل "فيسبوك"، بأداء صامت للتعبير عن القضايا التي تعاني منها الأسر العراقية، لترفق نادية بشار صورا تمثيلية، وعنوانا لكل قضية.

المشهد الأخير الذي جسدته، هزَّ مواقع التواصل الاجتماعي، أمس، وهي تجلس داخل قبر في منطقة نائية بعد أن حفرته، ونقشت عليه كلمات باسمها، وتاريخ ميلادها، وجُملة "لم تتوفى بعد".

وزعم نشطاء أن تلك الفتاة تحتفل بعيد ميلادها، كل عام، عند هذا القبر بعد أن حفرته بيديها؛ لتنفي لـ"هن" هذا الفهم التي وصفته بـ"الخاطئ"، قائلة: "شرح الصورة بالشكل ده عار تماما من الصحة".

وتقول إنها حفرت ذلك القبر الذي لا تتعدى مساحته مترا واحدا؛ وضعت له عنوانا "على قيد الموت" للاحتجاج على "الموت اليومي" الذي يشهده العراق ككل، وبلدة سنجار خاصة؛ معبرة عن ذلك بأن الحياة تحولت لمقبرة، ولكل شخص قبره الذي قد يدفن فيه، وهو يضحك على رأس الزقاق، ومع ذلك يعيش بـ"لامبالاة" تجاه ذلك.

حفر القبر كان لغرض فني، وهو تقديم فن الأداء في صورة احتجاجية، وتوضح: "لا أزور القبر سنويا ولا بين مدة ومدة، ولم أصطحب معي أحدا إليه، والقبر كان ليوم واحد فقط".

هدمت "القبر" فور الانتهاء منه، وتقول: "كان في مكان عام، وليس في نيتي أن أموت أبدا كي أوصي بدفني في مكان مخصص، هذا إن كانت لي جثة بعد موتي ليتم دفنها".

ولفتت نادية إلى أنها تعيش في بلد قد يموت فيها الشخص، ولا تكون له جثة، متابعة: "نتحول في لحظة إلى أشلاء، فحياتنا مليئة بالانفجارات اليومية، وما شابه من أشكال الموت".

مشهد من بين مشاهد جسدتها نادية، التي تبلغ من العمر 27 عاما، وتقول إن ظهر حبها لـ"التمثيل" في سن 6 سنوات، حيث كان لا يلتفت لها أحد، متابعة أنها ناقشت قضايا عدة بنفس الأداء، ووضعت لها اسما، من بينها "السقوط" التي تحدثت بها عن غزو "داعش" لمدينة شنكال ذات الأغلبية الإيزيدية، وأداء "اختطفوني" الذي يعبر عن معاناة المرأة العراقية، واغتصابها باسم "الدولة الإسلامية".

وبعد أحداث الإبادة في "سنجار" التي ولدت بها في 2014، بدأت العمل على توصيل رسالة المعاناة والمآسي التي تعرضت لها البلدة من قتل، وخطف، واغتصاب النساء وتجنيد الأطفال، والنزوح، والحصار في الجبال، وتقول: "عايزة أشهر للعالم ما يحدث لنا عن طريق الفن".

نادية الأخت الأكبر والوحيدة التي ولدت في العراق، فجميع إخوتها الـ6 ولدوا في سوريا، حيث لجأ أبواها إلى العيش في عمر 8 أيام، وذلك لتلك الحروب التي شهدتها الأسر العراقية في البلدة، حتى عادت إلى العراق في 2003.

وتقول "نادية" التي توقفت عن الدراسة، إنها أتقنت فن التمثيل، موضحة أن هناك فرقا بين عملها كمؤدية، والعمل بالتمثيل حيث المشاركة عن طريق الأفلام والمسرح.

وتتابع: "أنا أخترت التمثيل، والأداء لأني أرى نفسي قادرة على الاحتراف بهذا المجال".

وترى أن هناك سببا آخر لاختيارها ذلك المجال الذي تمارسه دون أجر، وهو أن هناك الكثير لا يلتفت إلى الأخبار على شاشات التلفاز، أو على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أن وسائل الإعلام لا تنقل الحقيقة، أو تنقلها "مشوهة"، وهناك ما يبحث عن الفن ومعالجة القضايا السياسية بشكل فني مؤثر، كما تقول.

"إيصال الفكرة عن طريق الفن أكثر من السياسة"، ما جسدته نادية التي تعمل "عامل حالة" في إحدى منظمات المجتمع المدني، بتقديم الشعر، والتمثيل، والأداء، والتصوير، وتقول: "لم أشارك إلى الآن لغرض الربح وإنما لإيصال معاناة شعب تعرض لأبشع الجرائم على مر العصور"، متابعة أنها بدأت بتقديم فن الأدء في يوم المرأة العالمي من هذا العام، والتمثيل قبل عامين.

قبل عامين، والدتها هاجرت إلى ألمانيا عن طريق البحر، كما فعل الكثير بعد إحداث إبادة الأيزيدية في "سنجار"، ووالدها يعيش بالعراق: "أنا مستقرة في العراق منذ سقوط نظام البعث إلى الآن"، متابعة أنها تخص في تجسيد قضايا النساء.

وتستكمل بالأمثلة واصفة إياها بـ"يصعب ذكرها": "وخاصة بيع النساء لأكثر من مرة ولأكثر من رجل في الأسواق المشبوهة، واغتصابهن من قبل أكثر من 5 أو 6 أشخاص وأكثر، وحرق الأطفال وهم أحياء، ما جعل الأطفال يفجرون أنفسهم قسراً".

وتعبر عن حالة الأسر والنساء والأطفال، بأن لم يعد الموت يقلقهم، وتقول: "الاغتيال أو الموت المحتمل بنسبة كبيرة يوميا لم يعد يقلق الناس أو يمنعهم من التجول بشكل اعتيادي، وقد يقول أحدهم إن فلانا أخذ نصيبه أو لا أحد يعبر يومه المحدد له في السموات لتنتهي حياته فيه".