امرأة قوية
بهيرة خيرالله

عملت بالهندسة الكهربائية لـ 31عاما، وبعد عام من تقاعدها على "المعاش المبكر" باختيارها في ديسمبر1997، دخلت المجال الدعوي، قبل تخرجها بمعهد إعداد الدعاة بالإسكندرية في 2004، حتى هذه اللحظة.. "هن" أجرى هذا الحوار مع بهيرة خيرالله الملقبة بـ«أم الواعظات» لمعرفة إن كان هناك ربطا بين مجالي الهندسة والدعوة الدينية.

- كيف كان اختيارك المجال الدعوي؟

إحدى الصديقات عرضت عليّ حضور دروس التجويد بأحد النوادي، وبالفعل درست لي سيدة تعمل بالمجال الدعوي، حاصلة على "بكالوريوس التجارة" و"الإجازة" من وزارة الأوقاف، وكان أسلوبها "جميل"، وبعد أشهر كلفتني بتعليم المجموعات، وبالفعل بدأت بتعليم التجويد في مكانين.

وقراءاتي الأولية في ذلك المجال ساعدتني على خوض المجال؛ فأنا من عاشقي الشيخ الشعراوي، وأكثر ما يستهويني التفسير، والفقه كمواد رئيسية في إلقاء الدروس لاحتياج الناس إليها، ونحن نجد حافظات قرآن ولكن دون فهم آياته، أو فهم خاطئ، وكانت البداية في أثناء قبل طلوعي للحج.

- ومتى بدأت خطوة معهد إعداد الدعاة؟

إحدى خريجات الأزهر نصحتني بضرورة الحصول على الإجازة، فاخترت معهد إعداد  الدعاة التابع لوزارة الأوقاف، وتخرجت به في 2004، وكنت من الـ10 الأوائل وكرمت آنذاك من اللواء المحجوب محافظ الإسكندرية، وعينت داعية بمكافأة شهرية بقيمة 68 جنيها حتى ديسمبر الماضي 2016، حتى قرار الوزير بتوقفها والعمل بدونها.

- وماذا عن انطباعك بقراره؟

قبل القرار، ذهبت إلى مدير عام أوقاف الإسكندرية وأبديت له عن رغبتي عن عدم أخذ المكافأة، وأعلمني أن القبض كشرط من شروط الواعظات المعينات، بالإضافة إلى تقديم التقرير الشهري بكل تفصيلة في دروسي.

- ومتى يكون المجال مربح شهريا؟

تعاملت مع قناة الإسكندرية منذ 2010، وكتبت مقالات بعدد من الصحف والمجلات بلا مقابل، والمجال يصبح مربحا عند تقديم البرامج على القنوات الفضائية الخاصة، وأود تقديم مثل هذه البرامج الدعوية ليس للمقابل المادي، ولكن كمنبر أوسع؛ لأن يحضرني فوق الـ50 شخصا في الدرس الواحد.

- كيف كان الارتباط بين الهندسة والدعوة؟

مذاكرتي اليومية تبدأ بعد أوقات العشاء حتى صلاة الفجر، والاطلاع على الكتب الورقية والإلكترونية باستخدام الحاسب الآلي، لعرض العلم في شيئ مكتوب، ويوزع من بين الدارسات وذلك تيسيرا عليهن.

واستغليت الهندسة في كل شيء أقوم به؛ بدءا من جدولة دروس الفقه ومنها أحكام المواريث، وإعدادها في صورة ميسرة للقارئ، ويندر من يفسره، وكذلك جمع مقارنات ما بين الأحكام، وهيكلتها في ورقة واحدة.

- هل الإجازات بالتدريس في المساجد اختلف عنه قديم؟

هناك إجازات بإجراء امتحان، شرط حفظ القرآن الكريم، وإجادة التجويد، غير الإجازات الشفهية التي كانت قبل15عاما.

- لماذا تخصصتِ الهندسة الكربائية؟

ولدي كان مستشارا يعمل بوزارة العدل، وولدتي سيدة مصرية بسيطة جميلة شجعت أبنائها الـ6 وإلزامهم الحصول على شهادات جامعية، وتقول لنا : "أنا كنت بقوم ببناء عمارة في كل ابن وابنة"، بالرغم من أنها غير متعلمة، هي فقط تعلم "القراءة والكتابة".

وأنتمي إلى عائلة أحمد خيرالله بك، الجد الأكبر، وهو الرئيس الأول للمحكمة المختلطة في الإسكندرية، والمثال الطيب لنا الدكتور لطفي دويدار، أستاذ جراحة الصدر والقلب، وورئيس جامعة الإسكندرية الأسبق، ووالدي كان يريد بي ذلك، ولكن أردت الهندسة، كأول كلية في القمة آنذاك، وتخرجت من كلية الهندسة، جامعة الإسكندرية في 1968، بتخصص الهندسة الكهربائية وحصلت على درجة "الماجستير".

عملت بالترسانة البحرية، كأول مهندسة تمثل "التاء المربوطة"، بعد التخرج مباشرة، ثم انتقلت لشركة النحاس المصرية، وتعلمت اللغة الروسية خلال3سنوات، ومارستها، لأني تدربت برعاية خبراء روس. بسبب قربها من المنزل؛ لتوفير الاهتمام الكافي لابني، حيث عملت بها 22عاما، وفي أثناء تلك الفترة، تعلمت الحاسب الآلي، وسخرته في إعادة هيكلتها.

- ولماذا كان اختيارك للتقاعد المبكر على المعاش؟

وصلت لقمة الهيكل الوظيفي في الشركة، وكان تخصصي هندسي بحت، حتى تدرجت لرئيس القطاع الهندسي؛ ولأني وصلت لمرحلة من الصراع الوظيفي الذي لم أعد قادرة على التعامل معه، وخسرت ماديا كثيرا، ولكن صليت استخارة، وتم القرار.

- هل هناك مجالات خرجتي بها عن "الهندسة" و "الدعوة"؟

من يغوى العلم يطرقه من كل الأبواب، وتعلمت الكثير في منتصفات الطريق، فتعلمت الخياطة و"التريكو"، لأنه وجدته موضة آنذاك، واشتريت ماكينة خياطة وتدربت عليها وعلى "الهاند ميد".

- هل من حق الداعية إعطاء الفتوى؟

الفقه يتمثل في آراء فقهية متعددة، للآئمة؛ وهم الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، أما الفتوى هى انتقاء الرأي من بين تلك الآراء حسب حالة السائل، وهناك فتوى عامة وهي الغير المختصة للأفراد، وليس من حق الداعيات أو الواعظات، إعطاء الفتاوي، أنا ناقلة للعلم فقط، وهناك دار إفتاء مخصصة لذلك الغرض.

- هل هناك فرق في اللقب بين "الداعية" و "الواعظة"؟

لقب "الواعظة" جديد، وهو من اختيار الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف عند التعاون مع المجلس القومي للمرأة، بمناسبة هذا العام المخصص للمرأة المصرية، ولفظ "يعظ" بمعنى يوجه مقبول، ولكن أنا شخصيا أحب لقب "الداعية"، تبعا لتخرجي من معهد إعداد الدعاة.

- كيف كان لقبك بـ"أم الواعظات"؟

أعمل بالمجال الدعوي ما يقرب على الـ14عاما منذ تخرجي من المعهد، وقبل ذلك بـ4أعوام بشكل غير رسمي، وجاء اللقب من الناس عموما، ومن الشيوخ الذين تعاملت معهم، فيقولون لي : "يا أُمنا.. أنتِ أُمنا"، وجميعهم شباب في الأربعينات من العُمر؛ ولأنني اعتبر من القدامي في ذلك المشوار.

- معروف أن موضة الحجاب ظهرت في آواخر القرن الماضي، فمتى كان حجابك؟

تحجبت في 1981، بعد أداء فريضة الحج، حتى خلعته، ضعفا أمام حرب شديدة تعرضت لها، واعتبرني البعض "شكلي غلط"، وعند الحجة الثانية في 1984كان قرار الحجاب النهائي، وتلك الفكرة ظهرت في آواخر الثمانينات، صاحبت ظهور الدعوة السلفية.

- وعلى ذلك، هل ابنتك ترتدي الحجاب؟

ابنتي لم ترتدي "الحجاب"،"وجادلهم بالتي هي أحسن"، وهو تكليف من الله، فكل شخص أمير نفسه، ومثلها مثل أي بنت ولها مصادر علم كثيرة ومتاحة، والحجاب اسمه الصحيح "اللبس الإسلامي للمرأة" الذي لا يصف ولا يشف، وهو أحد الواجبات في الإسلام وليس ركنا منه، وكلمة "حجاب" مرتبط بـ"أمهات المؤمنين" في أن يحتجبن عن الرؤية نهائي، فيتحدثوا مع الرجال من وراء الستار، وسيدنا عُمر غار عليهن، فنزلت الآية"وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ".

- منَ منِ الرجال والنساء من يعجبك طريقتهم؟

أستمع دائما إلى إذاعة القرآن الكريم، والراديو موجود بحجرتي، وبالمطبخ حتى أثناء الطبخ، وإن وجدت معلومة أدّونها في الحال، ويعجبني برنامج إذاعي اسمه "دقيقة فقهية" للدكتور مجدي عاشور، وتعاملت مع الدكتور سعدالدين الهلالي، وإعداد الندوات بالمحافظة.

- هل المجال الدعوي أصبح هادئا عن قبل؟

بالفعل، تم تحجيم الفكر السلفي المتشدد على القنوات الفضائية، وفي المساجد بعد أن ظهرت أفكار متشددة وأفسدت بيوت وأشخاص، ونحن دائما نتحدث بالمؤتمرات عن خطر التطرف والإرهاب، ونحن ندعو بوسطية دون إفراط ولا تفريط.

- هل هناك تخصص دعوي بالنسبة للنساء؟

نعم، هناك داعيات يعملن بالتجويد فقط، وآخريات بالتحفيظ، ومن يجمع بكل ما تحتاجه الدروس، وخاصة فقه النساء.

- هل حفظ القرآن الكريم شرط أن تكونِ داعية؟

بدأت المجال الدعوي في سن54عاما، ويختم القرآن عادة في خلال من8  إلى10سنوات، ولم أختم حفظ القرآن الكريم، لانشغالي بتدريس وإعطاء 5حلقات أسبوعيا، التي تستغرق مني وقتا كثيرا، ولكن بفضل الله قمت  بتفسير وفقه وسيرة لأكثر من ثلثي القرآن، في أربع حلقات بالمسجد، وأخرى في دار مسنين.

- ماذا منحك المجال الدعوي؟

العمل الدعوي يمنحني الصبر الطاقة والهدف، كامرأة سبعينية؛ لأن كثيرا من النساء من يقتربن على سن المعاش يشعرن بالإحباط، واليأس، وشعورهن بعدم حاجة المجتمع لهن، والسن يجعل الكثير يقنط من الحياة، والدعوة مشوار أكرمني الله به.

- هل اصطدمتِ بمن يعترض عملك الدعوي؟

لدي زوج يفخر بي دائما ويقول إنني داعية إسلامية قبل مهندسة، ويعطيني من وقته، وهذا فضل من الله.

- في خلال عام المرأة، هل هناك ملامح تودين رؤيتها؟

أود أن تكون فرص المرأة حقيقية، ورؤية أماكننا  كواعظات في الإعلام المرئي، المقروء، والمسموع بشكل أوسع.