امرأة قوية
رولا سليمان

"لم أكن أحلم بأن أكون أول قسيسة في الشرق الأوسط يومًا، وأرى الوقت مناسبًا لرسامتي، وفي ذلك تدبير من الرب".. تصريحات من حوار أجراه "هنّ" مع رولا عادل سليمان، لتقف على التحديات التي تواجهها؛ بعدما تم تعيينها في فبراير الماضي، في حفل سيامة الكنيسة الإنجيلية بطرابلس، التابعة للسينودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان، وإليكم نص الحوار:

- من الواعظة إلى القسيسة.. حدثينا عن رحلتك.

كنت معينة كواعظة وأخدم بها ما يقرب من الـ8 سنوات، وأقوم بالخدمات التي يقوم بها أي قسيس آخر مع عدم قيامي بالأسرار؛ سر العشاء الرباني، وسر المعمودية إلا بوجود قسيس مرسوم معي، وهناك نظام إداري في السينودس الإنجيلي؛ وهي أن الهيئة العامة التي تشمل جميع أعضاء الكنيسة ترفع طلب كراعية للكنيسة بعد قضاء فترة معينة من الوقت، إذ اقتنعت به كشرط أساسي، وهذا الشيء حدث بالفعل ويحدث مع أي خادم آخر، والمفارقة هنا كانت أنثى.

- وكيف تم اختيارك؟

عند اقتناع شيوخ الكنيسة برفع طلب رسامتي في 2016 بالإجماع، مدعومين بقرار المسؤول الرعوي القس الدكتور هادي غنطوس، وكان له دور كبير في تحقيق هذه الرسامة، رُفع الطلب بتشييع منه، وكانت النتيجة فارقة بعد إجراء استفتاء من قبل أعضاء الكنيسة، وبالمجلس الإداري وافق 23 عضوا من ضمن 24، بالإضافة إلى اختياري لأني بالأصل كنت أرعى بها بشكل رسمي، وحاجتها إلى قسيس مرسوم معين.

- ما هي الطقوس التي تمت يوم الرسامة؟

هناك أمران مهمان في خدمة الرسامة؛ الأول هو وضع الأيدي من كل قسيس مرسوم -من قبل- على رأسي، بينما أنا أركع على المنبر الكنسي، يحدث ذلك بنوع من التكريس للإعلان عن إعطاء يمين الشريكة؛ ويقول كل قسيس: أعطيكِ يمين الشريكة فاشتركِ معنا في هذه الخدمة المقدسة، والثاني يكمن في شكل الرسامة، حيث يرتدي القسيس المرسوم الزي الجديد وهو قميص الخدمة الخاص بالقساوسة ويتميز بالقبة التي توضع بمكان خاص به، وما زلت أرتدي الروب الكنسي.

- هل اعتبرتِ رسامتك تحديًا من نوع جديد؟

استمرت رعايتي للكنيسة منذ تعييني في 2008، والأمر لم يكن واجبا، وبالتأكيد هو تحدِ لكنه بمحبة ورعاية واهتمام، فأنا أحب هذه الكنيسة، وأحب أعضاءها، وأذكر عظة الرسامة للأمين العام القس جوزيف قصاب يقول فيها إن الكنيسة بها نوع كبير من الأمومة خلال رعايتي وخدمتي بها، وذكر أن الأمومة أفضل من الأبوة؛ بقصد الحنية والمتابعة، فأنا كنت أشعر إني أرعى هذه الكنيسة كأني أمها، أو أختها الكبرى بهذا المعنى.

- من كان يعارض أن تمسك المرأة في تلك الطائفة، ومن كان يساندك؟

لا أذكر أن كان يوجد شخص يعارض بحدة، ولكن كانت الفكرة غريبة عند البعض؛ أن امرأة تقف على المنبر الكنسي وتمثل دور الراعي والقسيس؛ لأنه فعلا شيء جديد، وإن وجدت معارضة فيرجع تفسيرها إلى وجود مشكلة اجتماعية وثقافية وليست لاهوتية خاصة بالتقاليد والأعراف، وذلك ما رآه بعض الأشخاص في السينودس، وهم قلائل، بينما لديهم قناعة بخدمة المرأة لاهوتيًا، والذين دعموا أكثر من عارضوا المسألة.

- ما دليلك في المسيحية على صلاحية المرأة لشغل أي منصب؟

الدليل الذي استند إليه في المسيحية هو يسوع المسيح ومحبته، كيف عاش، وكيف أعطى قيمة لها ولم أره بأنه عنصري وإنه ميّز بين المرأة والرجل، وذلك جسده لقاءه مع المرأة السامرية التي كانت غريبة؛ حيث تكلم معها وأعطاها الرسالة المسيحية، وذهبت، وبشّرت، وآمن مئات ومئات من خلال حديثها.

- وما دليل المعترضين في المسيحية؟

التفكير أو اللاهوت السينودسي المشيخي يدعم المرأة، والحجة كانت ثقافية اجتماعية بأن نحن نعيش في مجتمع شرقي، يعتاد في كنائس سوريا ولبنان أن تطلب رجلا، وإذ رسمنا امرأة يجب أن تُطلَب من الكنيسة لكي تعيَّن قسيسة لها، وهذا ما حدث معي، وتكمن مشكلة بعض الأشخاص الذين يعارضون خدمة المرأة في القراءة الحرفية إلى الكتاب المقدس، حتى وإن وجد آية بالكتاب يعتبرون هذا قانون، دون أي محاولات حول تفسيراتها فهو كتب بمرحلة معينة ومن كتّاب مختلفين على مدى سنوات، فلا يوجد دراسة لاهوتية للكتاب، ويظهرون في نظرة سطحية له.

- وعلى هذا، ما الأسس التي يجب اتباعها عند الخطاب الديني؟

مثالًا، بالنسبة لنا كمسيحيين يتجسد جوهر إيماننا في شخص يسوع المسيح وليس الكتاب، وبالنسبة لإخواننا المسلمين يتجسد في القرآن الكريم، فهذا هو الفرق نحن أحيانا نحاول أن نحاور المسلمين من خلال كتابنا المقدس وهذا خاطئ لاختلاف أساس الإيمان، وعلينا أن نعي بمبادئ أدياننا التي لا تقود إلى الصدام.

- صفي لنا شكل تجاوب أبناء مدينتك عند رسامتك؟

لم أكن أتوقع هذا التجاوب والفرح بمن حولي، من المجتمع الذي يحيط الكنيسة والأصدقاء والمعلمين من المحال والجيران والأماكن؛ فالكنيسة في منطقة تعتقد الأكثرية بالديانة الإسلامية، فانهالت التهاني من المسلمين والمسيحيين، فكان الدعم ملحوظا وإيجابيا جدًا، للإنجاز الذي تحقق، وشعورهم بالفخر لابنة تلك المدينة.

- وماذا عن كلمات التهنئة للرموز الدينية؟

لم أتلقَّ كلاما سلبيا، وكان الدعم إيجابيًا جدًا، بداية من رئيس المجمع الأعلى للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان القس الدكتور سليم صهيوني، حيث قدم لي كتابا مقدسا بأجمل كلمات التهنئة، والأمين العام للسينودس القس جوزيف قصاب الذي كتب في عظته لي كلمات مؤثرة جدًا مفادها بأن ذلك نتيجة مسيرة خادمة أمينة خدمت الكنيسة بطلعاتها ونزلاتها، وزملائي كانوا سعداء لدرجة كبيرة، ومن بينهم كلمات وجهت لي بأنك قد كتبت التاريخ، وهذا لم يكن همي الأساسي.

- هل رسامتك كانت رسالة سلام للغير؟

أوافق تمامًا، كانت رسالة سلام وبصيص أمل في غرفة مظلمة، فكانت رسالة سلام، وعدالة ومحبة؛ لأنه إذ نؤمن أن الله محبة؛ فالله لا يميز بين الرجل والمرأة.

- متى تتولى الأنثى منصب "الباباوية" أو "الراعي" أو "البطريرك"، على رأس كل كنيسة في كل الطوائف؟ وهل يليق ذلك؟

المرأة مخلوقة على شبه الله وفيها روح الله مثلها مثل الرجل، فهي يليق بها أي منصب؛ إذ كان تتوافر لديها المواهب، ولا أدخل في جدل متى البابوية فهذا خاص بالكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، ويمكن أن نشير إلى أن الكاثوليك أمورهم أسهل ومنفتحة عن الطائفة الأرثوذكسية، ولكن لا أعرف إلى أي مدى.

- معنى ذلك تقبل المرأة وضعها في كنائس الطوائف الأخرى؟

لا أتحدث كثيرًا عن الطوائف الأخرى، وأعتقد وجود احتمال باقتناع المرأة بالعمل الذي تقوم به، وأتمنى أن تكون تلك الخطوة بابًا لها، وأصلّي من أجل إعادة الحق لمكانة المرأة في الكنيسة.

- فما تفسيرك للآية "الرجل رأس المرأة"؟

بهذه الفقرة يتحدث يسوع بأن الرجل رأس المرأة، وأيضا هو رأس العائلة، وفي هذا الموضوع لا يتكلم بولس الرسول عن خدمة المرأة وليس لها علاقة بكهنوت المرأة، وحتى الآية التي تقول، فلتصمت نساءكم في الكنائس أيضًا هنا بولس لا يتكلم عن خدمة المرأة.

- ما رأيك في وجود المرأة في المناصب القيادية؟

لدي اعتقاد بأن المرأة نجحت جدًا في الأمور القيادية، مثالًا ببعض الراهبات يديرن مدارس، وأديرة، وجامعات وأدوار لكبار السن، فهي تستطيع أن تدير بشكل دقيق جدًا إذ كانت مؤهلة، وأشجع المرأة بأي دور إذ كانت تمتلك المواهب المؤهلة لأن تثبت نفسها في هذا المجتمع، دون النظر إلى جنس الشخص، أنظر فقط إلى مواهبه وما يستطيع أن يعطي، مثل بعض من أسماء النساء العالميات، مثل مارجريت تاتشر، وأنديرا غاندي، وغيرها من الرائدات حتى كتابيًا بالكتاب المقدس، ففي العهد القديم كانت "النبية دبورة"، وبالتاريخ المصري القديم شجر الدر، فكان فيه نساء يحكمن حتى بلاد، والآن بالتاريخ الحديث أنجيلا ميركل.

- كيف رأيتِ الهجوم الإرهابي على الكنائس في مصر؟

أشعر بالحزن على كل الأبرياء، وأستنكر أي هجوم إرهابي على الكنائس والجوامع والمدارس، والمواطنين الآمنين، والمسيحية والإسلام يجذب الإرهاب بحد ذاته؛ ولا يحق لأي شخص يأخذ حياة الآخر أو يحكم عليه بالموت وهذا معتقد ديني سماوي تتفق عليه كل الأديان السماوية، الإسلام والمسيحية واليهودية، ولكن المشكلة في نظرتنا الخاطئة إلى الدين أحيانًا.

- هناك استباق للمرأة المسيحيَّة في ترسيمها قسيسةً داخل الكنيسة الأوروبيَّة منذ سنوات، فما أسباب تأخرنا عن تلك الخطوة؟

المجتمع العام الأوروبي- الأمريكي يقبل أكثر فكرة المساواة عن نظيره الشرقي، ويدعي كثيرًا إلى عدم التفرقة بين الرجل والمرأة وبين العرق وآخر؛ والأسباب تكمن في تأخرنا بكل شيء في العلوم والأبحاث للأسف، حيث تسمع عن الاختراعات التي تكتشف في الخارج وتوصل لنا بعد 20 عاما، وأظن أن المجتمع الغربي منفتح أكثر ولديه حقوق الإنسان بشكل أعمق ولكن هذا أيضا لا يعني أن معظم المجتمع الأوروبي- الأمريكي مع رسامة المرأة، فيوجد أماكن محافظة جدًا، وبوجه أعم يتجه المجتمع الشرقي لشيء إيجابي والأفضل له.

- رأى البعض أن تلك الخطوة مسار صحيح متأخر، ذلك يعني أن المسيحية على كانت على خطأ منذ 2000 عام؟

بالنسبة لي أظن أنه الوقت المناسب، بما سبق من عملية تهيئة وتحضير وتغيير، فذلك ترتيب من الرب، وأنا لم أكن أنتظر، أو أحلم يومًا بأن أكون أول امرأة قسيسة في الشرق الأوسط؛ لم يكن هذا حلمي أبدًا، فضلًا عن أن التغيير يستلزم وقتا وظروفا مناسبة، ولا أحكم على المسيحية بأنها كانت على خطأ، فالإنجيل واضح ورسالة يسوع واضحة، تفسيرنا وتطبيقنا لها هي التي تختلف، ولكن كان يوجد نوع من الإجحاف بالنسبة لنظرة الكنيسة إلى المرأة، حتى تطورت هذه النظرة على مر العصور.

- دعا البعض من رجال الكنيسة قي القدس المحتلة إلى تحرك الكنائس بعد الأحداث الأخيرة؟

الحديث فيه كثير من الواقعية؛ وهو حق ليس لأنه مسيحي وأنا مسيحية، ولكن الاحتلال فكرته مرفوضة من أي طرف لأي طرف آخر؛ وليس من حق أحد أن ينزع أرضا من شخص ومن وطن.

- تقدمت الدكتورة آن زكي بطلب ترسيمها قسيسة في مصر.. ما رأيك في تلك الخطوة؟

خطوة نبوية في حياة الكنيسة، وهو طلب مستحق؛ فهي خادمة أمينة للرب تتمتع بمواهب روحية كثيرة أسأل الرب أن يقود المسؤولين لاتخاذ القرار المناسب الذي يتوافق مع مشيئة الرب، التي لا تمييز بين رجل وامرأة، عبد وحر، يهودي ويوناني.

- وبماذا تدعو المرأة في مصر؟

أدعو المرأة أن تؤمن بنفسها، وأن تتمتع بثقة الإرادة والوصول إلى ما تريد ببذل الجهد في سبيل العلم والثقافة، وبالعمل تستطيع أن تصل إلى كل المراكز التي يصل إليها الرجل؛ وإحداث فرق واستشهد بـ"الأم تريزا"، "روزا بارك" التي صنعت فرق بموقف صغير، فنحن خلقنا على صورة الله.

الكلمات الدالة