امرأة قوية
صورة ارشيفية

عندما تزيد أعباء العمل، يقرر كثير منا زيادة عدد ساعات العمل، لكن ربط وتجميع لحظات "عدم التركيز" يمكن أن يكون جوهرياً في إنجاز عمل أكثر في وقت أقل.

كانت أيام الفنانة والكاتبة ليسا كونغدون على مدار عشر سنوات شديدة الازدحام، كأنها علبة سردين، إذ كانت تنخرط في العمل في عدد من المشاريع يتراوح بين الخمسة والعشرين مشروعاً في وقت واحد.

ووفقا لموقع BBC، قد حاولت ليسا المقيمة في بورتلاند بولاية أوريغون بالولايات المتحدة أن تضغط نفسها للإلتزام بجدول أعمالها اليومي إلى أقصى درجة ممكنة.

أخيراً وفي السنة العاشرة من حياتها المهنية، بدأت تشعر بأعراض جسدية ناتجة عن الضغط والتوتر مثل الصداع والألم المزمن في الظهر، وآلام في أعلى العنق. تقول ليسا: "كنت أستيقظ من نومي قلقة، مع إحساس بتوتر في البطن ومشاكل في النوم".

الكثيرون منا لديهم شعور بأنه لا يوجد في اليوم ما يكفي من الساعات للقيام بكل ما نحتاجه من أعمال، فالمهمات التي تستغرق دقائق معدودة يمكن أن تمتد إلى عدة ساعات في الوقت الذي تتراكم فيه أعمال ومهمات أخرى.

الحل بالنسبة للغالبية منا هو أن نعمل حتى ساعات متأخرة من المساء، أو حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهو ما يجعل الكثير منا يشعر بالإرهاق والتوتر والاستنزاف، لكن ماذا لو كان العمل الأقل هو السبيل الأمثل لإنجاز عمل أكثر؟

يقابل غالبيتنا أعباء العمل المتراكمة بزيادة ساعات العمل، لكن ماذا لو كان العمل الأقل هو السر في إنجاز عمل أكبر؟

في السابق كانت كونغدون تعمل من الثامنة صباحاً حتى السابعة مساء دون توقف أو استراحة، إنها مصيدة يسهل الوقوع فيها، وهناك قناعة لدينا أن العمل لثمان ساعات أو أكثر بلا توقف سيزيد من إنتاجنا، ويثير إعجاب زملائنا ومسؤولينا في العمل، لكن في الواقع، حتى يوم العمل التقليدي الممتد بين التاسعة والخامسة لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنتاجية.

توصلت دراسة عن أماكن العمل إلى أن معدل التشتت أثناء العمل في أي مهنة يبلغ نحو 87 مرة في اليوم الواحد، ما يجعل من العسير على المرء أن يظل محافظا على تركيزه طوال اليوم، أو منتجا طوال اليوم، ولعلمها بأن عليها أن تفعل شيئاً ما، بدأت كونغدون في تعديل طريقة تعاملها مع العمل، وأعادت ترتيب يومها لكي تنجز نفس القدر من العمل دون العمل على مدار الساعة، فقررت أن تقسم يومها إلى فترات يبلغ طول كل منها 45 دقيقة، ومن ثم تقييم مدى إنتاجيتها خلال تلك الجلسات الزمنية الصارمة.

كان المفتاح للحفاظ على التركيز والطاقة في فترات زمنية قصيرة هو تطبيق مبدأ المرونة على هذه الفترات، حيث كان بإمكانها استخدام بعض هذه الفترات الزمنية لممارسة الرياضة، وبعضها في التأمل، والبعض الآخر في العمل، وقد ساعدها أخذ قسط من الراحة خلال يوم العمل على خفض مستوى التوتر، وبالتالي تحقيق نتائج أفضل خلال الوقت المخصص للعمل.

وهذا أمر معقول في ضوء دراسة توصلت إلى أن إنتاجيتنا تتعلق بنسبة أقل بعدد الساعات التي نقضيها في العمل، وبنسبة أكبر بالراحة التي نحصل عليها.

وفي عام 2014 استخدمت شركة "دروغيوم" تطبيقاً لتتبع إنتاجية موظفيها زمنياً، ولدراسة العادات التي تميز موظفيها الأكثر إنتاجية.

المثير للدهشة، أن 10% من الموظفين الأكثر إنتاجية لم يعملوا لوقت أطول من بقية الموظفين، وغالباً لم يعملوا حتى لثمان ساعات في اليوم، لكن السر في إنتاجيتهم كان أنهم كانوا يأخذون استراحة لمدة 17 دقيقة بعد كل فترة عمل بتركيز لمدة 52 دقيقة.

وربما تملي علينا ثقافتنا العمل على مدار الأسبوع دون أخذ قسط من الراحة، إلا أن سوجانغ -كيم بانغ، الاستشاري في وادي السيليكون، ومؤلف كتاب "أخلد للراحة: لماذا تنجز أكثر عندما تعمل أقل"، يعتقد أن ذلك لا يساعدنا على أن نكون أكثر إنتاجية أو قدرة على الإبداع.

ويقول إن الأبحاث تشير إلى أهمية أخذ قسط من الراحة، ويضيف: "بشكل عام، العمل ساعات طويلة يقود حتماً إلى زيادة الإنتاجية، لكن مع مرور الوقت تختفي هذه المكاسب، حيث يزيد عدد المرات التي تقع فيها أخطاء مكلفة، وبالتالي تختفي المكاسب التي نجنيها من العمل لساعات طويلة".

وتوصلت دراسة عام 1951 قام بها كل من ريموند فان زيلست وويلارد كير من معهد إلينوز للتكنولوجيا أن العلماء الذين أمضوا 25 ساعة أسبوعياً في مكان العمل ليسوا أكثر إنتاجية من الذين قضوا خمس ساعات.

يشرح الكاتب تيم هارفورد، في كتابه "الفوضوي: قوة الفوضى في تغيير حياتنا" كيف يساعد أخذ استراحة أثناء العمل على دعم الإبداع والإنتاجية في الحقيقة، من الممكن أن تكون فترة ساعة إلى ثلاث ساعات من العمل المركز بنفس إنتاجية وفاعلية يوم عمل تقليدي، وسبب ذلك هوأن الإنشغال نقيض الإنتاجية، كما يقول كال نيوبورت مؤلف كتاب "العمل العميق: قواعد للنجاح عن طريق التركيز في عالم مشتت".

ويضيف: "في غياب مؤشرات واضحة على ما يعنيه أن يكون العامل منتجاً أو ذا قيمة في وظيفته، يلتفت كثير من الموظفين نحو مؤشر مهني للإنتاجية، وهو القيام بكثير من العمل بطريقة يراها الجميع".

ولا يبدو أن العمل من أجل الاستعراض أمر مجد، فقد توصلت دراسة أجريت على المستشارين قامت بها كلية إدارة الأعمال في جامعة بوسطن أن المديرين لا يمكنهم أن يعرفوا الفرق بين الموظفين الذين يعملون لـ 80 ساعة في الأسبوع، وبين أولئك الذين يتظاهرون بأنهم كانوا يعملون.

التخلص من عدم التركيز ولمواجهة مصيدة التظاهر بالانشغال، يوصي نيوبورت بغرس عادة "العمل العميق" أي القدرة على التركيز بلا أدنى تشتيت للانتباه.

وهناك عدة طرق لإتقان فن العمل بتركيز، سواء كانت خلوات طويلة لإنجاز مهام محددة، أو ابتكار طقس محدد، أو طريقة يومية، أو اتباع مفهوم "صحفي" في اقتناص الفرص للقيام بعمل أكثر تركيزا حينما يتاح لك ذلك خلال اليوم.

ومهما كانت الطريقة التي تتبعها، فإن الأساس هو أن تحدد طول المدة الزمنية التي تقضيها مركزاً على عملك ومن ثم تلتزم بها.

ويوصي نيوبورت أيضاً بـ "جدولة عميقة" لمواجهة الأوقات المستقطعة أثناء يوم العمل، ولإنجاز الكثير في وقت قليل، ومما كتبه: "في أي مرحلة من المراحل، ينبغي أن يكون لدي عمل عميق مجدول للشهر المقبل تقريباً، وبمجرد أن يكون الجدول الزمني قد وضع، فإنني أراعي ذلك التوقيت وألتزم به، كما ألتزم بموعد الطبيب أو موعد لقاء مهم".

الكسل ليس مجرد إجازة، أو متعة، أو سلوك مذموم، إنه أمر لا غنى عنه للدماغ كما لا يستغني الجسد عن فيتامين جطريقة أخرى لإنجاز عمل أكثر في وقت أقل هي إعادة التفكير في طريقة ترتيب أولوياتك خلال اليوم، وعلى وجه التحديد الطريقة التي تكتب فيها قائمة الأشياء التي تريد أن تقوم بها، ويشير تيم هارفورد مؤلف كتاب "الفوضوي: قوة الفوضى في تغيير حياتنا" إلى دراسة في أوائل الثمانينيات تم فيها تقسيم الخريجين إلى مجموعتين: بعضهم تم توجيهه لوضع أهداف شهرية وأنشطة دراسية، والآخرون تم توجيههم للتخطيط لأنشطة وأهداف بطريقة أكثر تفصيلاً، يوماً بيوم.

وبينما توقع الباحثون أن الخطط اليومية المعدة بطريقة جيدة ستكون أكثر فعالية عند تنفيذ المهمات، إلا أنهم كانوا على خطأ، فقد أدت الخطط اليومية المفصلة إلى تبديد الدافع لدى الطلاب، ويقول هارفورد إن التشتت الحتمي للذهن غالباً ما يجعل قائمة المهمات اليومية غير فعالة، بينما يتيح فرصة للارتجال في قائمة كهذه لجني أفضل النتائج.

ولكي نصل إلى أفضل ما يمكن من خلال تركيزنا وطاقتنا، فإننا نحتاج أيضاً إلى تخصيص وقت للراحة من العمل، أو الكسل، كما يعبر نيوبورت عنه بالقول "كن كسولاً".

ويضيف نيوبورت: "الكسل ليس مجرد إجازة، أو متعة أو سلوك مذموم، إنه أمر لا غنى عنه للدماغ كما لا يستغني الجسد عن فيتامين ج، ومن المفارقات أن الكسل ضروري لإنجاز أي عمل".

وتعتقد سريني بيلاي، الأستاذة المساعدة للطب النفسي في كلية الطب في هارفارد أن هذه الرابطة الحدسية بين وقت التوقف عن العمل والإنتاجية ربما يكون سببه الطريقة التي يعمل بها الدماغ، فعندما يبدل الدماغ عمله بين مهمة التركيز ومهمة عدم التركيز، فهو بذلك يميل إلى أن يكون أكثر فاعلية.

بيل غيتس ووارن بافيت، اثنان من أغنى الرجال في العالم، يخصصان أياماً لا يرتبطان فيها بأي عمل، ويخصصانها للجلوس والتفكير وتقول بيلاي: "إن الذي لا يدركه الناس هو أنه لكي يكملوا هذه المهام فإنهم بحاجة إلى استعمال دوائر التركيز وعدم التركيز في الدماغ".

الكلمات الدالة